:: من نحن  :: إتصل بنا  :: الصفحة الرئيسية   
 
   إستطلاعات
   دراسات
   إنتخابات
   نظم إنتخابية
   مقالات
   مقابلات
   حول إنتخابات دولية
   مؤتمرات
   كتب وإصدارات
   قراءة في المسار السياسي

ستة أسباب تبرر إعادة النظر في قرار مجلس شورى الدولة –

مجلس القضايا رقم484/2002- 2003 تاريخ: 7/5/2003 الرابطة المارونية / الدولة

يعتبر هذا الحكم الصادر عن مجلس القضايا وهو أعلى هيئة قضائية في مجلس شورى الدولة، من الأحكام الهامة والخطيرة، بل هو من الأحكام السياسية بامتياز، ذلك أن أحداً لا يمكن إنكار الدور الهام لمجلس شورى الدولة في حياة الإدارة والمواطنين على السواء، وأن المجلس عند إصدار أحكامه يراعي الاعتبارات السياسية والاجتماعية، ويأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة بالقضية، ويحاول قدر الإمكان التقليل من الآثار السلبية والإضطرابات التي قد تقع في الحياة العامة، فيما إذا كان من الممكن أن تنجم عن هذا الحكم مثل هذه الأثار، ذلك أنه منذ الوقت الذي يبدأ فيه القاضي وظيفته القضائية الصرف، فإنه يكون مسيًّراً نحو القيام بدورٍ سياسيٍ ما، ويظهر هذا الدور بصورة خاصة عندما يعيق القاضي تنفيذ قرارات ذات طبيعة سياسية، أويصدر قرارات تشل هذا النشاط الإداري. (راجع: Daniel Loschak- Le Role politique du juge administratif français- L.G.D.J.1972 ).

 

ورغم أهمية هذا الحكم، والترحيب الكبير الذي لاقاه من معظم رجال القانون والسياسة، إلا أنه قد أثار بعض الإشكاليات القانونية الخطيرة التي لا يمكن إلا الوقوف عندها:  

 

أولاً: في الصفة والمصلحة

طالبت المستدعى ضدها برد المراجعة لانتفاء الصفة والمصلحة باعتبار أن قانون الجمعيات لا يسمح بالتقاضي في ما يتجاوز مصالح أعضاء الجمعية ولأن المرسوم المطعون فيه لم يتعرض إلى حقوق ومصالح أي طائفة من الطوائف المعترف بها قانونا كما انه لم يمس بمصالح المستدعية، هذا فضلا عن أن هذه الأخيرة لم تبين نوع الضرر الذي لحق بها، كما لم تُقدِّم الدليل على وجوده مما يجرّد ادلاءتها من أي أساس واقعي أو قانوني.

 

وطالبت المستدعية برد أقوال وطلبات المستدعى ضدها بهذا الشأن، وهي تدلي بأن لها المصلحة في إبطال المرسوم المطعون فيه لأنه يمس أهدافها كما هي محددة في نظام إنشائها وهي "المحافظة على حقوق ومصالح الطائفة المارونية وعلى مكانتها الاجتماعية والثقافية والسياسية في لبنان والعالم"، كما انه يضر بحقوق الطائفة المارونية ومصالحها ويعرّض مكانتها الموصوفة أعلاه للخطر بسبب إخلال المرسوم بميثاق العيش المشترك بين العائلات الروحية وإخلاله بالتوازن والاستقرار الاجتماعي والسياسي وبالمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين من جراء التجنيس الحاصل لعدد كبير من الأشخاص من طوائف مختلفة، هذا فضلا عن تعريضه مصلحة الوطن العليا للخطر.

 

 وقد وجد مجلس شورى الدولة أن لمفهوم الصفة وجها يتحد مع المصلحة المتمثلة بالفائدة الكامنة وراء الادعاء، وعلى هذا الأساس يقتضي التصدي للنقطة المثارة من قبل المستدعى ضدها والمتعلقة بانعدام صفة ومصلحة المستدعية (وهما من هذا المنظار متحدتان) لتقديم المراجعة. ورأى المجلس أ ن الاجتهاد الإداري يُبدي تساهلا في النظرة إلى مفهوم المصلحة في مراجعة الإبطال، وقدَّم أدلة فقهية واجتهادية مؤيدة لوجهة نظره.

 

وكنَّا نودُّ أن يكون الحكم القضائي تعبيراً عن قناعة القاضي وسلطانه المطلق في صياغة الحكم، كما هو الحال عليه في فرنسا ومصر، ولا نرغب بأن يؤسس القاضي اللبناني حكمه على آراء استشارية لفقهاء لبنانيين وعرب ومصريين، ولكن ما دام المجلس قد استند إلى آراء بعض الفقهاء فيكون من المفيد مناقشة ما يقولوه".

 

لدى مراجعة ما كتبه د. ماهر أبو العينين لم أجد أنه خرج عن مفهوم المصلحة كما هي مستقرة وقانوناً واجتهاداً، فالمصلحة المطلوبة لقبول دعوى إبطال القرار الإداري يجب أن تكون مصلحة شخصية مباشرة وأكيدة ومشروعة، وفي هذا يقول:" إن الدعوى التي تجيز رفع دعوى إلغاء القرارات الإدارية هي أوسع وأشمل من معنى المصلحة التي تجيز رفع الدعاوى الأخرى ... واتساع الدعوى الموضوعية هو الذي إلى اتساع نطاق المصلحة الشخصية لأنها مستمدة من المركز القانوني الذي يبديه المدعي مباشرة لأنها تؤثر مباشرة في مركزه ولكنها أوسع من أن تتقيد بعنصر الحق الذاتي كالدعاوى الذاتية المألوفة في القانون المدني (راجع: أبو العينين،محمد ماهر- دعوى الإلغاء أمام القضاء الإداري- الكتاب الأول- منشورات صادر –لبنان سنة 1998 ص363 وما يليه).

 

وكذلك يمكننا أن نجد أحكاماً عديدة رغم أخذها بمفهوم المصلحة الشخصية المباشرة والمشروعة، إلا أنها لم تشأ أن تجعلها، كما توصَّل إليه الحكم موضوع التعليق، واسعة جداً، أو أن الاجتهاد في صددها كان متساهلاً، ومن هذه الأحكام ما اعتبر أنه لا صفة للمواطن الفرنسي المقيم في إقليم Bas- Rhin   والذي يعيش في جمهورية علمانية، ويؤيد نظامها العلماني، ولا الظروف التي يتمسك بها أن والديه يعتنقان الديانة المسيحية ويمارسان طقوسها، تكفيان ليكون له مصلحة للطعن في مرسوم 10/1/2001 المتعلق بالمذاهب الكاثوليكية والبروتستانتية والإسرائيلية في إقليم Bas- Rhin .

( C.E. 17 mai 2002-/hofmann- Droit adm.aout- sept.2002-p27 comm. 150 ).

 

كما أن الاجتهاد رفض دائماً دعوى الإبطال لتجاوز حد السلطة، إذا كان المستدعي لم يرفعها سوى بصفته مواطناً وفي سبيل الدفاع عن الشرعية.

  (C.E.27 octobre1989, Seghers, Rec. Cons. d’Ét. P835)

 

وإذا كان الحكم في إحدى حيثياته قد استند إلى ما أخذ به الاجتهاد والفقه الإداريين من أن الضرر الناتج عن القرار الإداري يمكن أن يكون ماديا أو معنويا، ويشترطان في كل حال أن تتحقق علاقة ترابط وثيقة بين العمل الإداري المطعون فيه وبين مركز الطاعن القانوني وأهدافه.

(وأنظر أيضاً: Venezia, Jean-claude- Intérêt pour agir- Rép. Cont. adm. Dalloz- octobre2000 p4 no19   et suite ).

 

ولكن المصلحة المعنوية يجب أن تكون أيضاً مباشرة وأكيدة، ف صفة الخليلة لا تعطيها الحق بالتقدم بمراجعة طعن بقرار الطرد خارج البلاد

(C.E. 2 décembre 1998, Richou, req. no 198266).

 

وكذلك والد الأجنبي المطلوب طرده لا يُقبل منه طلب إبطال هذا القرار، لانتفاء المصلحة المباشرة لطلب الإبطال

 ( C.E. 17 mars 1999, Dos Reis, req. no 187843 ).

 

والهدف الاجتماعي الذي تتبناه إحدى الجمعيات المؤسسة من أجل الدفاع والمنازعة ضد الألم والعذاب الذي يتعرض له الحيوانات،   لا تعطيها المصلحة الكافية للمنازعة بالقرار الذي يجيز استثمار مختبر للسموم الحيوانية

C.A.A. paris 19 mai1994, Sté nationale pour la defense des animaux, Rec. table p1056.

 

وكذلك بالنظر لأهدافها ونظامها الداخلي، الذي يتعلق فقط بتعليم الطب، فإن النقابة المستقلة لطلاب الطب، ليس لها المصلحة التي تمنحها الصفة لطلب إبطال القرار الوزاري المتعلق بالتسعيرة والتعرفة الشرفية للمهن الطبية ومهنة المساعد الطبي

C.E. 3 octobre1994, Synd. autonome des enseignants de médecine, Rec. Cons. d’Ét. P426.

 

 وكذلك فالتلميذ الذي لا ينازع في قرار رفض قبوله في المسكن الجامعي، لا يستطيع الطعن في القرارات الفردية التي قبلت غيره من التلاميذ ، طالما أنه ليس هناك من علاقة سببية بين رفض طلبه وقبول طلبات غيره من التلاميذ.

C.E.15 février 1978, Seigneur, Rec. Cons. d’Ét. P906.

 

وهذه المصلحة التي تعطي الصفة للإدعاء يجب أن تكون مباشرة، فلا يكفي لكي تكون المراجعة ضد القرار الإداري مقبولة أن يؤثر القرار من بعض الأوجه بمقدِّم المراجعة.

Il ne suffit pas pour que le recours contre un acte soit déclaré   recevable que cet acte affecte de quelque façon l’auteur du recours   (Voir: Venezia, Jean-claude- Intérêt pour agir- Rép. Cont. adm. Dalloz- octobre2000 p11 no65).

 

فالجمعية التي يكون هدفها خلق آلية تسعى إلى تشجيع على الحريات العامة والديمقراطية، لا يبرر أبداً أن لها مصلحة تعطيها الصفة لطلب إبطال مداولات المجلس البلدي   الرامية إلى المصادقة على الحسابات الإدارية المتعلقة بمنح الوكالة المالية لـ Bassin   مساعدة إلى جمعية. C.E. 30 décembre1998, Assoc. Narbonne libertés 89 .

 

وأيضاً فإن عمومية العبارات التي يتضمنها النظام الداخلي لجمعية والتي تهدف إلى السهر على احترام القواعد الخاصة للوظيفة العامة، وبصورة خاصة تأمين فعالية مبدأ المساواة المنصوص عنه في المادة السادسة من إعلان حقوق الإنسان والمواطن، لا تعطيها المصلحة لكي تحيل إلى قاضي تجاوز حد السلطة قضية تعيين موظف ومستحقاته (C.E.13 mars 1998, Assoc. de defense des agents publics)

 

وتدلنا هذه الأمثلة القليلة أن الاجتهاد الفرنسي لم يتنازل عن المفهوم التقليدي لشرط المصلحة ولم يتساهل في قبول الدعوى إذا لم تتوافر شروط المصلحة المطلوبة لقبول دعوى الإبطال لتجاوز حد السلطة. أما في لبنان فالثابت أن الاجتهاد قد أوجب توفر شرط المصلحة الشخصية والمشروعة المباشرة لقبول دعوى الإبطال لتجاوز حد السلطة، وإذا كان من السهل تقدير هذه المصلحة في إطار مراجعة القضاء الشامل نظراً للمزج بين المصلحة في المقاضاة والمطالبة بحق شخصي، فإنه يصعب هذا التقدير في إطار مراجعة موضوعية كمراجعة تجاوز حد السلطة، مما يترك المجال مفتوحاً لتحديدها وفقاً لسياسة مجلس شورى الدولة الاجتهادية. ولتبرير وجود مصلحة للمقاضاة بحسب المفهوم المعتمد من قبل القاضي الإداري يتوجب على المتقدم بالمراجعة أن يثبت أن العمل المطعون فيه يسيء إليه و ينبغي أن تكون هذه الإساءة موجودة حقيقة، أكيدة، تنال من منفعة شرعية، شخصية، ومباشرة. (راجع: فرحات، فوزت- القانون الإداري العام- قيد الإعداد) وقلمَّا تهم نوعية الضرر الذي يثيره المستدعي مادياً كان أم معنوياً. (شورى لبنان قرار رقم 195، تاريخ 20/12/1995، بنك نصر الإفريقي – اللبناني/مصرف لبنان، م.ق.إ. 1997، ص267).

 

 لأن العبرة الحقيقية تتجلى بوجود الضرر. فلا مصلحة في المقاضاة إذا ما تخلف الضرر. (شورى لبنان قرار رقم 354، تاريخ 25/4/94، دبوسي/الدولة – بلدية رأس مسقا، م.ق.إ. 1995، ص399 ) . ولكي يكون هناك مصلحة في المقاضاة لا يكفي أن يكون الضرر موجوداً أو أكيداً بل ينبغي أيضاً أن ينال من مصلحة مشروعة (شورى لبنان قرار رقم 388، تاريخ 12/5/94، الحاج/الدولة – شويري وأبو جودة، م.ق.إ. 1995، ص431؛ شورى لبنان قرار رقم 482، تاريخ 20/6/94، صالح/الدولة، م.ق.إ. 1995، ص510).

 

          أما بالنسبة للجمعيات، فإن مصلحتها تتمثل من حيث المبدأ بالمصلحة الجماعية التي تدافع عنها هذه الجمعيات. على أنه يشترط لقبول المراجعة من هذه الجمعيات أن يكون العمل الإداري المشكو منه قد أضر بالمنتمين إلى الهيئة المعنية بوصفهم أعضاء فيها، هذا مع العلم بأن المصلحة المشار إليها هنا لا تؤخذ بعين الاعتبار إلا إذا تعلق العمل المطعون به من قبل هذه الجمعيات بموضوع يدخل في صلب مهامها ويقع عليها واجب الدفاع عنه. من ناحية أخرى ينبغي التمييز بين العمل المطعون فيه تنظيمي أو فردي. فإذا كان العمل المطعون فيه تنظيمياً، فإنه يسهل إلى حدٍ كبيرٍ التعرف على المصلحة الجماعية لتجمع ما. وهذا يعني أن ينزل العمل المطعون فيه ضرراً مباشراً أو أكيداً بالطاعن أكثر مما يصاب به غيره. ويمكننا أن نحصي العديد من القضايا التي قبل فيها مجلس الشورى إدعاء الهيئات العامة   لتوفر مصلحتها في الدفاع عن مصالح المنتسبين إليها. (راجع: اجتهاد القضاء الإداري في لبنان- قسم أصول المحاكمات الإدارية، إعداد الدكتور سهيل بوجي- طبعة سنة1981 ص97).

 

ومن المفيد التذكير باجتهاد مجلس الشورى في قضية اتحاد النقابات العمالية للمصالح المستقلة والمؤسسات العامة، ونقابة عمال السكك الحديدية في لبنان، اللتين تقدمتا بمراجعتين بوجه الدولة أمام مجلس الشورى يطلبون فيها إبطال المادة الثالثة من المرسوم رقم 4517 تاريخ 13/12/1972 التي تمنح الحكومة حق دمج وإلغاء المؤسسات العامة بموجب مرسوم بعد أن كان نص المادة الثانية من مرسوم 6474/67 يعطي حق إنشاء وإلغاء المؤسسات العامة والمصالح المستقلة للقانون. وقد أدلت المستدعيتان أن دمج وإلغاء المصالح المستقلة والمؤسسات العامة بمرسوم وهي التي أنشئت بقانون يلحق الضرر بمصالح أعضائها. وتكون للمستدعي مصلحة مشروعة ومباشرة في طلب إبطال المادة المذكورة. وقد رد مجلس الشورى هاتين المراجعتين لعدم توفر المصلحة لطلب إبطال هذه المادة ومما جاء في حيثيات قراره:" وبما ان المستدعي يبني مصلحته في الطعن بالمادة الثالثة من المرسوم رقم 4517 تاريخ 13/12/1972 على ما يمكن ان يؤدي إليه دمج وإلغاء المؤسسات العامة بمراسيم بدلاً من القانون من صرف موظفين وعمال من المؤسسات العامة ومن تعريض حقوقهم المكتسبة للضياع، وهذه الإدلاءات تخرج عن إطار النتائج المباشرة للنص المطعون فيه ويبقى في إطار التوقع غير الأكيد أو المحتمل حصوله. (شورى لبنان قرار رقم 289 تاريخ 15/11/1984 - اتحاد النقابات العمالية للمصالح المستقلة والمؤسسات العامة   / الدولة – مجلة القضاء الإداري 1985 ص248. و شورى لبنان قرار رقم 11 تاريخ 11/1/1984 - نقابة عمال السكك الحديدية في لبنان / الدولة – غير منشور.

 

فهل تقيَّد مجلس القضايا في هذه القضية بما استقر عليه الاجتهاد، وما أوجبه صريح ما نصَّت عليه المادة 106 من نظام مجلس شورى الدولة اللبناني    من :"أنه لا يُقبل طلب الأبطال بسبب تجاوز حد السلطة إلا ممن يثبت أن له مصلحة شخصية مباشرة مشروعة في إبطال القرار المطعون فيه.

وفي الواقع نلاحظ أن الحكم قد أخذ بحيثياته بما وضعه المستشار المقرر، والذي اعتبر أن ما أثارته المستدعية لجهة الخلل في التوازن الاجتماعي والسياسي الناتج عن إصدار المرسوم المطعون فيه، والمضمومة نسخة عنه إلى ملف المراجعة. وأن مسألة التجنس هي مسألة وطنية ترتبط ارتباطا وثيقا بسيادة الدولة ويعود للدولة أن تمارس حق إعطاء جنسيتها لمن تشاء بإرادتها ووفقا لتقديرها، بما يحقق مصلحة الدولة العليا، وهي ليست مسألة تتناول مهنة من المهن أو قطاعا من القطاعات أو نشاطا من النشاطات، وبالتالي، لا يمكن لجمعية معينة أن تعطي لنفسها بصورة مطلقة الصفة والمصلحة لمقاضاة الدولة في قرار يمس مصالح الوطن ككل ومكوناته العضوية ويرتبط ارتباطا وثيقا بممارسة الدولة لسيادتها، وإلا لادعت كل جمعية من الجمعيات ذات الهويات الدينية أو الطائفية حق مقاضاة الدولة في مسألة تجنيس الأجانب بمجرد أن يتضمن نظامها أهدافا تنادي بالمحافظة على حقوق ومصالح الطائفة وعلى مكانتها الاجتماعية والثقافية والسياسية في لبنان والعالم، كما هو شأن المستدعية.

 

لذا لا يمكن لرابطة أو لجمعية من جمعيات الحق الخاص، مهما كانت الأهداف التي تعلنها في نظامها الأساسي أن تحتكر صفة تمثيل الطائفة التي ينتمي إليها أعضاؤها، أو أن تدعي لنفسها دون غيرها حق تمثيل هذه الطائفة للدفاع عن مصالحها مع وجود ممثل لهذه الطائفة في جميع شؤونها عينه القانون بصورة واضحة (القرار رقم 60 ل.ر. تاريخ 13 آذار 1936) وأولاه الدستور حق الدفاع عن الطائفة وحقوقها وكيانها في مواضيع محددة (المادة 19 من الدستور).  

 

وهنا حصل الخلاف بين رأي المستشار المقرر وما أخذَ به المجلس في حكمه، حيث اعتبر الأول بأن هذه الحجج دليل على انعدام الصفة، ونحن بدورنا نؤيده لسببٍ بسيط أن الدولة اللبنانية وفقاً لصريح المادة التاسعة من الدستور التي تنص على أن  حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الاجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية اقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها ..." أي أن حقوق الطوائف ومصالحها هي قضايا وطنية، واستناداً لما بيَّناه فلا يعود لأي شخصٍ أن يرفع دعوى لهدف وحيد هو صفته كمواطن، أو صفته كطائفي. ولكن المشترع إدراكاً منه لخصوصية كل طائفة منح رئيس الطائفة   الصفة للمداعاة في ما يتعلق بالمحافظة على حقوق ومصالح هذه الطائفة، وطالما أن المشترع حصر الصفة بشخصٍ واحدٍ، فيجب على الاجتهاد احترام إرادة المشترع وعدم الإلتفاف عليها، لأنه كما يعلم الجميع:" لا اجتهاد في معرض النص الصريح".

 

ولكن للأسف كان لمجلس الشورى في حكمه موقفٍ مغاير، فبعد أن اعترف بأن الدستور والقانون يحصران الصفة برئيس الطائفة، لم يجد حجةً لقبول المراجعة سوى رغبته بالتساهل في قبول المراجعة، مدعياً أن الاجتهاد يتساهل في قبول مراجعات الإبطال لتجاوز حد السلطة، مخالفاً بذلك صريح نص المادة 106 من نظام مجلس الشورى التي تشترط أن تكون المصلحة شخصية ومباشرة ومشروعة للإدعاء. ولم يقدِّم الحكم أي دليل على الضرر المباشر والشخصي الذي يلحق بالرابطة المارونية من منح الجنسية لأفراد من طائفة أخرى. ويمكن أن نضيف حجة أخرى هي أن طبيعة الضرر الذي تنادي به الرابطة المارونية مخالفٌ للفقرة ح من مقدمة الدستور التي تقول بأن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية. حيث كان على المجلس أن يردَّ هذه المراجعة لعدم مشروعية الضرر الذي تتذرع به الرابطة المارونية، لمخالفته مقدمة الدستور التي تهدف إلى إلغاء الطائفية، وأخشى ما أخشاه هو أن قبول المجلس لهذه المراجعة لسببٍ طائفي سيكون الباب الذي سيدخل منه كل الجمعيات المنادية بالطائفية، والتي ستقِّدم مراجعات هدفها طائفيٌ محض، فقد نجد يوماً في سجل المراجعات ادعاء من احدى الجمعيات الإسلامية طعناً بتعيين قائد جيش ماروني، أو تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى من احدى الطوائف المسيحية. فلماذا فتح مجلس الشورى باب الدعاوى الطائفية الذي لم يُفتح قبل ذلك في لبنان؟؟

 

ثانياً: في صدور المرسوم عن مرجع غير صالح

طالبت المستدعية إبطال المرسوم المطعون فيه لمخالفته أحكام الدستور بعد التعديل الحاصل بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990 الذي أناط بمجلس الوزراء مجتمعاً حق منح الجنسية اللبنانية عملا بأحكام المادتين 17 و65 من الدستور الحالي، وليس برئيس الدولة رئيس السلطة الاجرائية كما كان عليه النص الدستوري السابق للتعديل وكما ينص عليه القرار رقم 15 تاريخ 19/1/1925 المتعلق بالجنسية في حين أن المرسوم المطعون فيه قد صدر في ظل هذا الدستور عن رئيس الجمهورية منفردا.

 

ورأى المجلس أن موضوع قانون الجنسية يختلف عن موضوع التجنيس الذي يقتصر على إعطاء الجنسية لطالبها في حال توافر الشروط القانونية، علما بأن هذا الامر منوط برئيس الدولة وفقا لأحكام المادة 3 من القرار رقم 15 المشار إليه آنفا. وبما أنه يقتضي معرفة ما إذا كان هناك إلغاء لصلاحية رئيس الجمهورية المقررة في المادة 3 من القرار رقم 15 بموجب التعديل الدستوري الحاصل عام 1990. وبما أن المادة 102 من التعديل الدستوري تنص على إلغاء جميع الأحكام الاشتراعية المخالفة للدستور دون ان تتضمن تحديدا صريحا للنصوص التشريعية المشمولة بهذا الإلغاء مما لا يمكن معه القول بوجود إلغاء صريح لأحكام المادة 3 من القرار رقم 15 الذي له قوة القانون وذلك لجهة اختصاص رئيس الدولة في إعطاء الجنسية اللبنانية.

 

 وبما أنه يتبين من المرسوم المطعون فيه انه بني على القرار رقم 15/1925 وعلى طلبات التجنس المقدمة واقتراح وزير الداخلية بشأنها باعتباره الوزير المختص في قضايا الجنسية والأحوال الشخصية، وهو موقع من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الداخلية مما يعني أن إصداره جرى وفقا للأحكام الدستورية النافذة. وبما أنه تأسيسا على جميع ما تقدم يكون المرسوم المطعون فيه غير معيوب لهذه الجهة، ويكون ما أدلت به المستدعية تحت هذا السبب مردودا لعدم القانونية.

 

مع تسليمنا بصحة الحيثيات التي استند إليها مجلس القضايا من أجل أن ترد الدفع بعدم اختصاص رئيس الجمهورية بإصدار مرسوم التجنيس، إلا أننا نخالف المجلس في بحث هذه النقطة أصلاً، لسببٍ وحيدٍ يتعلق بالرقابة على دستورية القوانين:

 

وقبل البدء بعرض وجهة نظرنا نلفت الانتباه إلى أن المادة 102 جاءت في متن الدستور اللبناني الأصلي الصادر بتاريخ 23 ايار سنة 1926، ثمَّ عدِّلت بموجب القانون الدستوري تاريخ 9/11/1943، أما إناطة السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء فحصل بصورة لاحقة بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ21/9/1990.

 

كما أن المادة الثالثة   من القرار 15 الصادر في 19 كانون الثاني سنة 1925 بشأن الجنسية اللبنانية، قد ألغيت بموجب المادة الأولى من القرار رقم122 تاريخ19/6/1939. واستعيض عنها بقانون التجنس بالجنسية اللبنانية الصادر بتاريخ 27/5/1939 والذي ينص في مادته الأولى على أنه:" يمكن منح الأجنبي الجنسية اللبنانية بمقتضى مرسوم بناء على طلبه وبعد إجراء تحقيق في شأنه ضمن الشروط ..." كما تنص المادة 2 على أنه :" يمكن منح الجنسية اللبنانية بمقتضى مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء لكل أجنبي أدى إلى لبنان خدمات جلى مهما بلغت مدة إقامته في لبنان.

 

واستناداً لهذا القانون يكون رئيس الجمهورية صاحب الاختصاص بمنح الجنسية لمن توافرت به الشروط القانونية، أي الإقامة في لبنان مدة عشر سنوات، أو اقترانه بلبنانية وإقامته مدة خمس سنوات، وما عدا ذلك يمكن منح الجنسية لمن أدى خدمات جلَّى للبنان بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء.

 

وهذا النص القانوني ساري المفعول لأنه لم يثبت أنه ألغي بنصٍ آخر، وعليه، عندما يراقب مجلس الشورى مرسوم التجنيس لناحية السلطة المختصة بإصداره، تتوقف رقابته عند حدود القانون، ولا يستطيع أن يراقب مدى انطباق هذا النص على أحكام الدستور، وتمنعه من إجراء هذه الرقابة، المادة 18 من القانون رقم 250 تاريخ14/7/1993، والمتعلق بإنشاء المجلس الدستوري، والذي نصَّ في المادة18 على أن:" يتولى المجلس الدستوري الرقابة على دستورية القوانين وسائر النصوص التي لها قوة القانون. وخلافاً لأي نصٍ مغايرٍ، لا يجوز لأي مرجع قضائي أن يقوم بهذه الرقابة مباشرة عن طريق الطعن أو بصورة غير مباشرة عن طريق الدفع بمخالفة الدستور أو مخالفة مبدأ تسلسل القواعد والنصوص".

 

كما تمنعه من مراقبة دستورية القوانين المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية الصادر بموجب المرسوم الإشتراعي رقم 90 تاريخ 16/9/1983 تنصُّ على أنه:" لا يجوز للمحاكم أن تعلن بطلان أعمال السلطة الاشتراعية لعدم انطباق القوانين العادية على الدستور أو المعاهدات الدولية".

 

لذلك كان على مجلس الشورى أن لا يبحث فيما إذا كانت المادة الثالثة من القرار15/1925 قد ألغيت أم لا، لأن هذا البحث لن يقف فقط عند حدود وجود النص أو انعدامه، بل تتعداه لتعيين السلطة المختصة بإصدار مرسوم التجنيس، على فرض أنه لم يكن رئيس الجمهورية مختصاً بإصدار هذا المرسوم، وهو ما يخرج عن اختصاص مجلس شورى الدولة ويدخل في إطار عمل المشترع.   ويعلم الجميع أن القانون يشِّكل دائماً عائقاً أمام مجلس الشورى لمراقبة مدى انطباق القرارات الإدارية على أحكام الدستور.

…La loi, tout inconstitutionnelle qu’elle soit, fait alors écran entre le juge et la règle constitutionnelle(Chapus, Réné- droit administrative general- Tome I Montchrestien 14e edition 2000   p31 no51).

 

وعلى سبيل الاستطراد نضيف بأن رئيس الجمهورية بعد الطائف لم تنزع منه جميع اختصاصاته التنفيذية، حيث لا زال يصدر قرارات نافذة، ويدلُّنا على ذلك المادة 54  من الدستور بعد تعديل1990 التي تنصُّ على أن:" مقررات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة.

ثالثاً: إغفال الحكم للرد على الدفع المتعلق بتمتع الإدارة بسلطة استنسابية

طالبت الدولة المستدعى ضدها برد المراجعة لانتفاء الخطأ الساطع في التقدير: لأن المرسوم المذكور قد صدر بناءً على القرار رقم15 تاريخ18/1/1925 المتعلق بالجنسية اللبنانية ووفقاً لأحكامه، وقد جاء واضحاً في مضمونه لجهة تعيين المستفيدين منه، وأن التجنيس هو عمل من أعمال السيادة واستنسابي بمعنى أن الإدارة غير ملزمة بتعليل قرارها بشأنه...

 

 

 

إلا أن مجلس القضايا أغفل الرد على هذا الدفع الذي أثارته الدولة المستدعى ضدها، وهذا الإغفال يعتبر مخالفة للأصول الجوهرية في الحكم والتي تستوجب إعادة المحاكمة. (راجع: شورى لبنان قرار رقم409 تاريخ 16/4/1966، سعد الله حشيشو/ الدولة- المجموعة الإدارية1966 ص99).

 

والواقع إن الدفع بالسلطة الاستنسابية هو من الدفوع الهامة، لأن اثبات تمتع الإدارة بسلطة استنسابية في إصدار مرسوم التجنيس، يؤدي إلى انحسار الرقابة القضائية إلى أضيق الأطر، فهل تتمتع الإدارة فعلاً بالسلطة الاستنسابية، وما هو أثر هذه السلطة على هذه الدعوى؟

 

          تكون السلطة استنسابية أو تقديرية عندما يترك القانون للإدارة حرية ممارسة نشاطها دون أن يفرض عليها سلوكاً معيناً ينبغي الإلتزام به. فالموظف الذي يملك سلطة التقرير، يعود له في حال وجود سلطة تقديرية الحق في إصدار القرار أو عدمه. كما أن له في حالة تدخله الحق في تقدير ملاءمة مضمون هذا القرار. فالقانون لم يقيد الموظف مقدماً بسلوك معين.

 ( Michoud (M) ”Etude sur le pouvoir discrétionnaire, R.A. 1914 p111.) .

 

وقد عر َّفه ا مجلس الشورى بأنها "السلطة التي تتيح للإدارة اتخاذ التدابير بحرية مطلقة من كل قيد قانوني، وتنشأ إما عن نص صريح في القوانين والأنظمة التي توليها هذه السلطة، وإما عن انتفاء القواعد والأحكام القانونية التي تحد من سلطتها التقديرية "الاستنسابية في ممارسة عملها الإداري.    ( راجع شورى لبنان قرار رقم25 تاريخ27/1/1971- شركة الهواء السائل /الدولة – المجموعة الإدارية1971 ص12)  أو هي إمكانية الاختيار بين اتخاذ قرارين أو تدبيرين مطابقين على الأقل بالتساوي للشرعية والقانون( راجع شورى لبنان قرار رقم 449 تاريخ 3/9/1998 م.ق.إ. العدد 13 مجلد ثاني ص 425 ) . والسلطة الإستنسابية الممنوحة للإدارة ليست سلطة تحكمية، إذ أن حق الإدارة في ممارستها يتمثل في حقها في تقدير ملاءمة اتخاذ التدبير في الظروف وللأسباب التي تفرضها المصلحة العامة. ويبقى للقضاء حق مراقبة عدم اساءة استعمال السلطة وصحة الأسباب القانونية والواقعية التي يمكن أن يبنى عليها القرار المتخذ سنداً لها(شورى لبنان قرار رقم 465 تاريخ29/3/1995   حجيج / بلدية ذوق مكايل– مجلة القضاء الإداري1996 ص419). إذاً فالقاعدة أنه إذا لم يفرض القانون موجباً على عاتق السلطة الإدارية باتخاذ قرار إداري، أو إذا ظهر الشك حول ما إذا كانت الإدارة تتمتع بسلطة إستنسابية أو مقيدة، فإن هناك قرينة على أن سلطة الإدارة في هذه الحالة استنسابية، وأنه يعود لها اختيار الوقت الملائم لإتخاذ قرارها.

  Stassinopoulos – Traité des actes administratifs – Athènes 1954 p   162.

 

 فمثلاً اعتبر الاجتهاد أن الإدارة في ممارستها الحق بترحيل الأجنبي إنما تقوم بعمل استنسابي يعود إليها تقدير أسبابه ولا يخضع لرقابة القضاء الإداري (شورى لبنان –قرار رقم1242 تاريخ8/11/1966- شركة ستبوليان/الدولة- المجموعة الإدارية1967 ص17). أو أنها بممارستها هذا الحق إنما تقوم بعملٍ استنسابي يعود إليها تقدير أسبابه(  شورى لبنان قرار رقم 142 تاريخ18/2/1975- السوقي/ الدولة – المجموعة الإدارية1975-1976 ص16.

وفي الواقع، تعتبر السلطة الاستنسابية ضرورية لارتباطها بحسن الأداء في مزاولة النشاط المنوط بالإدارة ومراعاة ظروفه ومدى قابليته لتحقيق المصلحة العامة. فلا شيء يمكن أن يكون أسوأ من إدارة آلة administration     Robot  ، تُحرم من حرية التصرف لاجئة إلى تطبيق النصوص والمبادئ دونما تفكير. هذا مع العلم بأن للسلطة الاستنسابية حدوداً يجب أن تقف عندها، فهي قد منحت للإدارة مقابل تحملها مسؤولية سير المرافق العامة بانتظام والعمل على تحقيق النفع العام. وتتجلى السلطة الاستنسابية على وجه الخصوص من خلال القرارات الإدارية المنفردة Les actes administratifs unilatéraux  . وعليه، فالقاضي عندما ينظر بمراجعة طعن لتجاوز حد السلطة ضد مثل هذه القرارات، فهو يمارس رقابة دنيا، أي في حدها الأدنى Contrôle minimum ليحافظ على عملية تقدير الملاءمة التي تعتبر حجر الزاوية للسلطة الاستنسابية( راجع شورى لبنان قرار رقم 5 تاريخ 6/10/1997 م.ق.إ. العدد 13 1999 المجلد الأول ص615 ) .

وقد تنبه مجلس الدولة إلى أن استبعاد التكييف القانوني يؤدي إلى إضعاف فعالية رقابته، وبيَّن هامش السلطة الاستنسابية التي تملكها السلطة الإدارية، مقرراً إخضاعها لرقابته على أساس الخطأ الساطع في التقدير. C.E. 16 janvier 1970, Mihoubi Taeb, Rec. Cons. d’Ét. P763

 

ويلعب الخطأ الساطع في التقدير دوراً حاسماً في تحديد أطر السلطة الاستنسابية. إذ لا يتم إبطال أي عمل إداري ما لم يكن مرتكزاً على خطأ ساطع في التقدير L’erreur manifeste d’appreciation  ، أي إلى خطأ فاحش erreur grossiere   لا يعطي مجالاً لأي شخص شريف لغض الطرف عنه نظراً لطابعه المخالف للعقل والمنطق. لكن الأمر يختلف إذا ما استند نفس العمل إلى تقدير متنازع عليه، هنا يكتفي القاضي بإظهار الخطأ المرتكب دون أن يؤثر ذلك من قريب أو من بعيد على صحة العمل الإداري. (فرحات، فوزت- القانون الإداري العام- قيد الإعداد)، ولا تعني هذه الرقابة أن يحلَّ القاضي تقديره محل الإدارة عندما تتمتع بسلطة تقديرية واسعة، ولكن في هذه الحالة تمثل الرقابة القضائية ضمانة ضد طغيان السلطة الذي يغري الإدارة. وقد اوضح ذلك مفوض الحكومة في مطالعته على أنه تتضمن السلطة التقديرية الحق في الوقوع في الخطأ ولكن ليس الحق في ارتكاب خطأ ظاهر ومكشوف وجسيم.   Long et autre observations sous:C.E.Ass. 2 novembre 1973,Librairie François maspero, les grands arrets de la jurisprudence administrative, 11eme editions 1996, p659, no 104

 

فمثلاً في قضايا اللجوء الإقليمي:

, le juge administratif vérifie seulement si la décision de refus de l'asile territorial ne repose pas sur une erreur manifeste d'appréciation des risques auxquels l'intéressé serait exposé en cas de retour dans son pays d'origine.  CE   28 déc. 2001, Préfet du Rhône c/ Nacef, req. n o  226961: www.ajda.fr

 

ولا زال مجلس الشورى اللبناني يأخذ بنظرية الرقابة الدنيا على القرارات المتخذة في إطار السلطة الاستنسابية، ففي احدى حيثيات حكم أسعد/ الدولة يقول إن السلطة الاستنسابية   الممنوحة للإدارة ليست سلطة كيفية أو تعسفية، فحق الإدارة في ممارستها يتمثل في تقدير ملاءمة اتخاذ التدبير في ضوء الظروف والأسباب التي تفرضها المصلحة ومن أجل حسن تنظيم وسير المرفق العام، ويبقى للقضاء الحق في مراقبة استعمال هذه السلطة وصحة الأسباب القانونية والمادية التي يمكن أن يبنى عليها التدبير المتخذ.(شورى لبنان قرار رقم426/2002-2003 تاريخ10/4/2003 المقدم همَّام/ الدولة).

 

وتدخل قرارات منح الجنسية في مجال السلطة الاستنسابية الواسعة الممنوحة للإدارة   وفقاً لما تراه محققاً للمصلحة العامة، ولا يحدَّها سوى إساءة استعمال السلطة.(راجع: قرار المحكمة الإدارية العليا في مصر- الدعوى رقم2632 لسنة40ق تاريخ31/5/1994- وفي ذات المعنى قرار المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 6434 لسنة42 ق تاريخ21/3/1999- أشار إليهما: عكاشة، حمدي- موسوعة القرار الإداري- الجزء الثاني- طبعة سنة2001 بدون ذكر الناشر ص1452. وفي فرنسا، راجع: C.E. 13 juillet 1923, Inglis, Rec. Cons. d’Ét p577 ، أما في لبنان فراجع: شورى لبنان قرار رقم25 تاريخ29/1/1987- مجلة القضاء الإداري في لبنان 1989 ص30.

 

وطالما أن الإدارة تتمتع بسلطة استنسابية في إطار قرارات التجنيس، فإن رقابة مجلس الشورى على هذه القرارات تكون في حدودها الدنيا، فلا تخضع الأسباب السياسية للمناقشة   القضائية:

C.E.9 novembre 1984, Association Bretagne- Europe, Féderation bretonne de Régions- Europe, J.C.P.1985,II,20501

C.E.21 octobre 1988, Église de scientologie de Paris et autres et Association pour l’unification du christianisme mondial, A.J.D.A.1988 p759.

 

ولكن اللافت في قضيتنا موضوع التعليق، أن مجلس الشورى اهتمَّ كثيراً بالأسباب السياسية والاجتماعية التي حملت الإدارة على إصدار مرسوم التجنيس، وتدخل بشكلٍ فاضحٍ في مسألة ملاءمة هذا المرسوم، ومما جاء في حيثيات الحكم :" و في قضية حساسة في المراجعة الحاضرة، لا يمكن تبرير اصدار مرسوم التجنس الا توخيا للمصلحة العامة. ولكن هذا المبدأ الذي تتوخى الدولة تحقيقه، لا يمكن لها ان تتبناه بالمطلق، كما هي الحال عند وقوع الإدارة في خطأ عند إصدار عمل إداري، بحيث تتداركه عندما ينكشف لها الخطأ، عن طريق الاسترداد أو بأية وسيلة إدارية أخرى، لأنه لا يمكن للدولة في معرض حمايتها لمصالح المواطنين ان تبارك عملا، تشوبه العيوب وقد ينقلب ضررا على الوطن والمواطنين. ولأنه، إذا ما كانت الجنسية هي الرابطة السياسية بين الفرد والدولة، فان أي عملية تجنس، لا بد وان تهدف بالنتيجة الى خلق العلاقة السليمة بين الفرد والدولة، وبالتالي إلى تكوين المواطنية الصحيحة. <<ومن هذا المنطلق كان صدور مرسوم التجنيس لتشريع وضع عدد كبير من الأشخاص الذين تكونت بينهم وبين الدولة نوع من المواطنية الفعلية وكان لا بد أن تكرس بمرسوم يشرع العلاقة بينهم وبين الدولة. وأنه، اذا كان دفاع هيئة القضايا سابقا عن مرسوم التجنيس كعمل إداري صادر عن السلطة التنفيذية، هو موقف مبدئي من عمل قامت به السلطة التنفيذية، إلا أن هذا الدفاع ليس دفاعا في المطلق عن عمل إداري قد يكون اعتراه ما يلقي الظلال عليه والشكوك فيه".

 

وتفيدنا هذه الحيثية أن مجلس القضايا خلافاً للمبادئ العامة السارية في القانون الإداري قد مارس الرقابة على الأهداف السياسية التي تتوخاها الإدارة عند إصدارها مرسوم التجنيس، وهو ما يشكِّل تجاوزاً لإطار الرقابة التي يستطيع القضاء ممارسته على الإدارة عند ممارستها السلطة الإستنسابية.

 

رابعاً: فيما يتعلق بالحقوق المكتسبة الناشئة عن هذا المرسوم

حَكمَ مجلس الشورى بإحالة هذه القضية إلى وزارة الداخلية لإعادة درس الملفات الادارية لديها وبالتالي اعادة النظر في المرسوم المطعون فيه وذلك في سبيل الرجوع عن القرارات التي منحت لبعض الاشخاص الجنسية اللبنانية من دون وجه حق، أو التي اكتسبها أصحابها عن طريق الغش والتزوير، او التي تعتبر مخالفة للدستور أو مخالفة بصورة فادحة للقانون، على ان تؤخذ بالاعتبار حقوق مستحقي الجنسية اللبنانية في ضوء توافر الشروط التي ينص عليها القانون. على أنه لا يجوز للمستفيدين من المرسوم المطعون فيه أن يتذرعوا بوجود حقوق مكتسبة نشأت لهم من هذا المرسوم وذلك بسبب الطعن الحاصل فيه وطيلة فترة النظر في المراجعة القضائية لابطاله والى حين صدور الحكم النهائي، وفي ذلك ما يولي الإدارة الحق في اعادة النظر في اعمالها، في ضوء نتيجة الحكم الصادر بشأن هذه الأعمال.

 

خلاصة القول، أن مجلس الشورى علَّق تذرُّع المستفيدين   من الحقوق المكتسبة الناجمة عن هذا المرسوم ، حتى من أكتسب منهم هذه الحقوق بصورة مشروعة ووفقاً لأحكام القانون، فهل يتوافق هذا الحكم مع المبادئ التي استقرَّ عليها القضاء الإداري في ما خصَّ عدم المساس بالحقوق المكتسبة النجمة عن القرارات الإدارية؟

 

نشيرُ بدايةً إلى أن الاجتهاد الأوروبي بما فيه الاجتهاد الفرنسي قد طوَّر نظرية الحقوق المكتسبة، وأدخل في قاموسه مبدأً جديداً هو مبدأ حماية الثقة الشرعية، Principe de confiance legitime وهو مبدأ عام للقانون وفقاً لقانون الإتحاد الأوروبي.

Aff. 7/56 et 3 à 7/57, D. Algera   c/ Assemblée commune de la CECA, Rec.,III,p81

Aff. 14/61, Hoogovens,   Rec.,VIII,p485, 520

وقد طبَّق الإجتهاد الفرنسي هذا المبدأ منذ زمن طويل

C.E.22 novembre 1929, Cie des mines de Siguiri, Sirey 1930,III , p17 – Cité par Chapus, Droit administratif général tomeI – 14e édition 2000 p100 no135

T.A. Strasbourg, 8 décembre 1994,   Entreprise Freymuth c/ Ministre de l’environnement, A.J.D.A. 1995 p555

C.E. Ass., 24 octobre 1997, Mme De Laubier, R.F.D.Adm. 1998 p527.

 

كما أشار مفوض الحكومة في مطالعته حول قضية De Laubier ، إلى العمل الدؤوب لمجلس الدولة من أجل التوفيق بين مبدأين أساسيين في القانون العام: مبدأ المشروعية الذي يفترض أن السلطة الإدارية تقوم بالرقابة على القرارات التي تصدرها عبر استعمالها سلطة السحب ، ومبدأ الإستقرار القانوني والذي يتضمن إفادة الأفراد من قاعدة عدم المساس بالحقوق الناشئة عن القرارات الإدارية.

 

وكان القضاء قد كرَّس منذ زمن بعيد مبدأ حماية الحقوق المكتسبة، وكذلك فإن الثبات القانوني للأوضاع الفردية يشكل الشغل الذي يؤرق القضاء الإداري. C.E. 10 octobre 1997, Lugan, Dr. Adm. 1997, Comm.390 .  

 

والحق المكتسب هو الحق في الإبقاء على القرار، أي الإبقاء على الوضعيات القانونية التي أنشأها القرار، وقد صنَّفَ مجلس الدولة الحق المكتسب بأنه ذلك الذي ينشأ عن القرارات الإدارية الفردية النهائية والمشروعة. Vlachos – Le Retrait des actes administratifs – Rev. adm. 1970 p412 ، ومن حيث المبدأ، فالقرارات المنشئة للحق هي القرارات فردية (شورى لبنان قرار رقم 153 تاريخ 6/4/1970 – مغربي / الدولة وبلدية طرابلس – المجموعة الإدارية1970 ص93).

 

ومن جهة ثانية فإن اجتهاد مجلس الدولة يطبق نظرية الحق المكتسب بدون إعطاء تعريف لما هو المقصود من الحق المكتسب، وهذا ما دفع الفقه إلى اعتبار أنه لا يوجد حق مكتسب خارج إطار حق المحافظة على القرار . وهذه الفكرة ترتبط بمبدأ عدم المساس بالقرارات الفردية، ووفقاً لهذا المبدأ فإن التصرف القانوني الذي يتولد عنه آثار قانونية فردية لا يمكن إلغاؤه أو تعديله، إلا وفقاً لقاعدة القرار المعاكس.

(Voir: Auvret, Patrick- La notion de droit acquis en droit administrative français- R.D.P.1985 p58).

 

والتبرير الصحيح يتمثل بـ "التقليد العفوي" لقاعدة مهلة الشهرين المعتمدة في إطار المراجعة القضائية فهذه القاعدة هي بمثابة حل تشريعي وليست حل مستند إلى المبادئ العامة. فخلال مهلة الشهرين اللذين يليا نشر او تبليغ القرار الإداري، يرى المشترع أن هناك ضرر اجتماعي في الإبقاء على القرار غير المشروع أكبر مما ينتج عن إبطال مثل هذا القرار. أما بعد انقضاء مهلة الشهرين التالية لإتمام إجراءات إصدار القرار، فإن الوضع ينقلب بشكلٍ كامل، حيث يعتقد المشترع بأن " مخالفة القانون أسلم من الفوضى"، فالمساس بالمصلحة الاجتماعية يكون أقل تأثيراً في حالة الإبقاء على عدم المشروعية، عنه في حالة حصول إنقلاب في الوضعية التي تبدو مكتسبة. وهكذا تم التضحية بالمشروعية في سبيل ثبات الأوضاع القانونية.

Waline – Note sous C.E. 3 février 1956, de Fontbonne - R.D.P.1956 p862.

 

وعندما ينشئ القرار حقوقاً، فإنه يجب أن يتمتع بالحماية على الأقل حمايته من خطر السحب وذلك عبر تقييد قدرة السلطة الإدارية عن اللجوء إلى سحب القرار المكسب للحقوق. اما إذا لم ينشئ القرار حقوقاً فإن سحبه يكون جائزاً ومشروعاً في كل وقت، ولأي سبب سواء أكان بسبب الملاءمة أو بسبب الشرعية. C.E. 29 juillet 1994, Zilber, R.D.P. 1995 p551 .

 

ويبرر مبدأ الشرعية إعادة النظر في القرار غير المشروع، ولكن مبدأ الإستقرار القانوني ومبدأ عدم الرجعية، يعيقان إمكانية إعادة النظر في المراكز القانونية إلى ما لا نهاية. بالنسبة للقرارات غير المشروعة وغير المنشئة للحقوق، فيمكن سحبها في أي وقت كما يمكن إلغاؤها. أما بالنسبة للقرارات غير المشروعة والمنشئة للحقوق فالقواعد أكثر تعقيداً، فلا يمكن سحب القرارات المنشئة للحقوق إلا لأسباب عدم الشرعية وضمن مهلة الطعن القضائي، وإذا قدِّم الطعن فيبقى السحب ممكناً طوال مدة نظره، وهذا هو الحل الذي جاء به حكم Cachet   C.E. 3 Novembre 1922, Dame cachet, Mémento de la jurisprudence administrative, Hachette 3e edition 2000 p37  ، ثمَّ جاء حكم Ternon   ليجعل مهلة سحب القرار الفردي المنشئ للحقوق ولكن غير مشروع أربعة أشهر، مجرياً بذلك تمييزاً بين مهلة السحب ومهلة المراجعة القضائية C.E. Ass. 26 octobre 2001,Ternon, Dr. Adm.2001, comm253 .

 

كما هو الحال بالنسبة للسحب كذلك فإن القرارات المنشئة للحقوق لا يمكن إلغاؤها، فميزتها الأساسية أنها نهائية، فلا يؤخذ بعين الاعتبار عدم مشروعية القرار المنشئ للحقوق من أجل إلغائه، إلا في الحدود المقررة فيما يتعلق بسحب هذا القرار، فإذا كانت عدم مشروعية قرار منشئ للحقوق تسمح بسحبه في خلال مهلةٍ معينةٍ وبأثرٍ رجعيٍ، فمن بابٍ أولى، إلغاؤه للمستقبل في ذات المهلة. لذا يكون إلغاء قرار مكسب للحقوق ممكناً ضمن ذات الشروط التي تسمح بسحبه، فإذا كان طلب السحب مردوداً فإن الإلغاء أيضاً يكون غير جائزٍ أيضاً C.E. 7 février 1973, Min. Éducation et Nguyen Van Nang,   Rec. Cons. d’Ét. P886 .

 

 أما بالنسبة للقرارات المشروعة، فإن مبدأ عدم المساس بالحقوق المكتسبة يمنع من حيث المبدأ إلغاء هذه القرارات، ولكن يكون هذا الإلغاء جائزاً بل واجباً عند توفر شروط القرار المعاكس، هنا يجب مراعاة قاعدة ثبات الأوضاع القانونية وحتى المكتسبة بصورة غير مشروعة   Auby- note sous C.E. 2 Dec. 1960, Dame Franc, D. 1962 p7 .

 

فالقرار الخاص المنشئ للحقوق، يُكسب منذ توقيعه حقوقاً للمستفيدين منه، وهذا ما أكدته أحكام عديدة لمجلس شورى الدولة، واعتبرته من المبادئ العامة للقانون.

C.E.19 décembre 1952, Demoiselle Mattéi, Rec. Cons. d’Ét. P594

C.E.24 février 1967, de Maistre, Rec. Cons. d’Ét. P91

 

وذلك على الأقل طالما أن هذا القرار كان مشروعاً ونهائياً، وهذه المشروعية تجعل من مبدأ عدم المساس بالحقوق المكتسبة لا يصطدم   مع ضرورة تصحيح حالة عدم المشروعية، أما عدم ملاءمة القرار Inopportunité de l’acte ، لا تؤلف سبباً كافياً لإعادة النظر بصورة رجعية بالأوضاع القانونية التي أنشأتها.

C.E.21 novembre 1947, Demoiselle Ingrand, Rec. Cons. d’Ét. P430

C.E.27 janvier 1971, Ministre de l’interieur c/ Hurtaud, Rec. Cons. d’Ét. P68.

 

كما لا يجوز لجهة الإدارة أن تسحب القرار الإداري الصحيح والمنشئ للحقوق   بحجة أنها أخطأت في تقدير الظروف التي أدت إلى إصداره (محكمة القضاء الإداري-مصر- الدعوى رقم920/6 ق تاريخ1/3/1954س6 ص799).

 

وإذا كان يجوز إلغاء القرارات الإدارية التي نشأ عنها حقوق للأفراد ضمن مهلة الشهرين إذا كانت هذه القرارات غير مشروعة، فإن القرارات المشروعة لا يجوز إلغاءها ضمن المهلة المذكورة تحت طائلة الإبطال لتجاوز حد السلطة.

شورى لبنان قرار رقم870 تاريخ 17/4/1974، فقيه/ الدولة- المجموعة الإدارية1974 ص187.

شورى لبنان قرار رقم1676 تاريخ7/11/1966- جان فرح ورفاقه/ الدولة

مجلس القضايا قرار رقم94 تاريخ22/3/1979- واصف نصار ورفاقه/ الدولة- غير منشور.

 

ونستنتج من هذا العرض الموجز أن الذين حصلوا على الجنسية اللبنانية بصورة موافقة للقانون بموجب المرسوم المطعون فيه، فإن هؤلاء الأشخاص يكونوا قد اكتسبوا حقاً لا يمكن لأحد المساس به (سواءٍ الإدارة أو القضاء) طالما أن اكتسابهم للجنسية قد تمَّ متوافقاً مع الأحكام القانونية، وقد اعترف مجلس شورى الدولة وقبله الرابطة المارونية، أنَّ هناك فئات كثيرة تستحق الجنسية اللبنانية، ومنهم من هم لبنانيون أصلاً.

لذلك لا يحق لمجلس الشورى تعليق تمتع هذه الفئات بالحق المكتسب بالجنسية وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات حتى صدور الحكم النهائي، طالما أن حقَّهم ثبت بمجرد صدور المرسوم. وأخشى أن يكون إفراد هذه الحيثية في متن الحكم، هدفه سياسي ويرمي إلى منع من يرغب من هؤلاء المتجنسين من الترشح للإنتخابات النيابية المقبلة.

 

أمَّا بالنسبة لمن اكتسب الجنسية بالغش والخداع، فمن المتفق عليه أن سحب القرار الإداري جائز في كل وقت إذا كان قد حصل عليه صاحب الشأن بناءً على الغش وذلك تطبيقاً وذلك تطبيقاً لقاعدة معروفة أن أعمال الغش تفسد كل شيء  Fraus omnia corrumpit ، راجع بهذا الشأن:

شورى لبنان قرار رقم 1012 تاريخ 26/11/1962- مخلوف/ الدولة- المجوعة الإدارية1963 ص34

 CE   15 janv. 1999, Préfet du Val de Marne c/ M. Saramale: req. n o  188096.  

 CE   23 nov. 2001, min. de l'intérieur c/ El Kharroubi: req. n o  233588.   

  CE   16 nov. 2001, Bourrich: req. n o  236915.  

 CE   19 janv. 1996, M. Zongbo c/ Consul général de France à Bangui: req. n o  151959.    V. aussi  CE   4 juill. 1997, Bouzerak: req. n o  156298: RFD adm. 1997. 815; RD publ. 1998. 271,

CE   9 nov. 1998, M. Francillon: req. n o  169645.  

 CE   6 mars 2002, Baboma: req. n o  222325.  

 

وقد طبَّق مجلس الدولة الفرنسي هذا المبدأ في قضايا الجنسية وتحديداً في قضية Sarovitch الذي منحته الحكومة الفرنسية الجنسية بموجب قرار تاريخ 9/6/1926، ولمَّا اكتشفت السلطات الفرنسية يعد عدة سنوات أنه كان قد أخفى أوراقاً وحقائق عن شخصيته وماضيه، أصدرت مرسوماً بسحب جنسيته في 1/4/1931 أي بعد انقضاء مهل الطعن القضائي، ورغم ذلك قَبِلَ مجلس الدولة مراجعة إبطال مرسوم سحب الجنسية، لأنه ارتكب غشاً، ومن ثم لا يترتب له من مرسوم التجنس أي حق في الجنسية الفرنسية.

C.E.12 mai1935, Sarovitch, Rec. Cons. d’Ét. P520

 

 La circonstance qu'un acte ait été obtenu par fraude, si elle autorise l'autorité administrative à retirer cet acte à toute époque, ne rend pas cet acte inexistant et n'a pas pour effet de prolonger le délai de recours au bénéfice des tiers.  CE   15 juin 1981, Aimar, req. n o  11234: Rec. CE T. 978   CE   17 mai 1999, Épx Ferrari: req. n o  172918.  

 

 

          ولكن بسبب خطورة الآثار التي تنجم عن سحب الجنسية لمن اكتسبها بصورة مخالفة للقانون مخالفة فاضحة، أو نتيجة غشٍ أو خداع، رأى المشترع في فرنسا ومصر   ضرورة تقييد حق الإدارة بسحب الجنسية بفترة زمنية محددة حتى ولو كانت متخذة بالغش أو الخداع، ففي مصر يمكن سحب الجنسية ممن اكتسبها بطريق الغش أو بناءً على أقوال كاذبة خلال السنوات العشر التالية لاكتسابه إياها، وذلك بقرار مسبب من مجلس الوزراء (المادة15 من قانون الجنسية لسنة1975).

 

وفي فرنسا فإن سحب الجنسية بسبب الكذب أو الغش هي خلال سنتين من تاريخ وصول العلم بهذا الغش أو الكذب إلى وزير الشؤون الاجتماعية ( art 21-27 du code civil  ).

(Voir:Vandendriessche, Xavier- Étrangers- Éditions du juris- classeur-1999- Fasc.235 p18 no138)

 

وخلافاً لهذه القاعدة القانونية التي أخذت جانب العدالة والإنصاف، نجد أن مجلس الشورى لم يرغب برد الدعوى تاركاً للإدارة سحب الجنسية ممن اكتسبها بالخداع والتزوير، لأن القانون اللبناني لم يقيِّد هذا السحب بفترة زمنية معينة كما هو الحال في فرنسا ومصر، بل عمد إلى محاولة عدم الاعتراف بالحق المكتسب لمن له هذا الحق قانوناً.

خامساً: إحالة القضية إلى مرجعٍ غير صالح

 أحال مجلس الشورى   القضية موضوع المراجعة الراهنة على الإدارة المختصة (وزارة الداخلية) لإعادة درس الملفات الإدارية لديها (أي ملفات الأشخاص الذين حصلوا على الجنسية اللبنانية بموجب المرسوم المطعون فيه)، فهل وزارة الداخلية هي السلطة المختصة قانوناً بسحب الجنسية؟

 

المبدأ هو أن السلطة المختصة باتخاذ القرار الأساسي هي المختصة باتخاذ قرار الإلغاء، وهو ما يسمى بمبدأ موازاة الإختصاص   الذي يجد أساسه في احترام قاعدة توزيع الإختصاصات داخل الإدارة، وهذا التوزيع للإختصاص يتعلق بالنظام العام وله صفة إلزامية حتى بالنسبة للشكليات التي لا تنفصل عن قواعد الإختصاص( Carbajo,Joël – L’Application dans le temps des decisions administratives exécutoires – L.G.D.J. 1980 p210  ) . سواء أكان ذلك في مجال الأنظمة الإدارية( C.E.6 mai 1960, Syndicat chrétien de la police parisienne,   Rec. Cons. d’Ét. P297  ) ، أم بالنسبة للقرارات غير التنظيمية وغير المنشئة للحق( C.E.10 mars 1967, Ministre de l’economie et des Finances c/ Société Samat, A.J.D.A1967 p280  ) . أما بالنسبة للقرارات المنشئة للحق، فإن شروط إلغائها يحددها النص، حيث يمكنه أن يعطي الاختصاص بإلغاء القرار الفردي المنشئ للحق لسلطة مختلفة عن تلك التي أصدرته، فمثلاً المحافظ وحده المختص بعزل ناطور القرية الذي سبق أن عيَّنه رئيس البلدية( C.E. 15 juillet 1958, Bonanni,   Rec. Cons. d’Ét. P453 ).

 

وإذا كان القرار قد صدر عن عدة هيئات مع أن واحدة منها هي وحدها المختصة، فيكون لهذه الأخيرة وحدها حق إلغائه بدون مشاركة الموقعين على القرار الأساسي، فمثلاً إذا كان اختصاص إصدار القرار التنظيمي يعود للوزير، فإن إصدار هذا القرار عن عدة وزراء لا يشكل عائقاً أمام الوزير المختص بأن يقوم بإلغائه منفرداً ( C.E.29 mars1957, Hurtrel, R.D.P.1957 p948  ) . وعدم اقتران قرار الإلغاء هذا بتواقيع المراجع الإدارية الأخرى التي اشتركت في إصدار القرار الملغى لا يعيبه إطلاقاً، فالعبرة هي للاختصاص المحدد قانوناً.

 

وأما إذا لم يحدد النص القانوني السلطة المختصة بإلغاء الأعمال الإدارية، فإن هذا الاختصاص يعود للسلطة التي وضعت النص الأساسي، وهذه القاعدة تأتي تطبيقاً لمبدأ موازاة الاختصاص، الذي كرسه الإجتهاد المستقر سواء في ما يتعلق بالقرارات الفردية أو الأنظمة الإدارية، راجع على سبيل المثال:

C.E.12 novembre 1955, Cazaudan,   Rec. Cons. d’Ét. P404   - C.E. 13 mai 1949 , Fédération nationale de l’industrie h  ‏‎ otelière Rec. Cons. d’Ét. P222

  C.E. 12 février 1994, Caisse autonome retraite médecins,   Rec. Cons. d’Ét. P742

C.E. 29 décembre 1997, Féderation des syndicates généraux de l’éducation nationale et de la recherche, Dr. adm.1998, comm.. no 111

 

وإذا حدد النص السلطة المختصة بإلغاء قرار اتخذته سلطة أخرى، فيكون الاختصاص حصرياً للسلطة التي عيَّنها القانون، وهذا حال قضايا التجنس، فبعد أن منح القرار15/1925 رئيس الجمهورية اصدار مراسيم منح الجنسية، جاء في المادة الأولى من قانون الجنسية الصادر بموجب قانون31/1/1946 والمعدلة وفقا للمرسوم   10828 تاريخ 9/10/1962 على أنه :... يتم فقدان الجنسية في الحالات المنصوص عليها في هذه المادة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية.

 

واستناداً لهذا القانون وبسبب خلو القرار15/1925 عن تحديد صاحب الاختصاص في سحب الجنسية، فإن التطبيق الصحيح للقانون يفرض أن تُرفع يد وزارة الداخلية عن مرسوم التجنيس بعد صدوره عن رئيس الدولة، وتكون الإحالة الصحيحة إلى رئاسة مجلس الوزراء التي يعود إليها أن تطلع وزير الداخلية على الحالات التي تريد سحب الجنسية منها، وبالتالي تكون الإحالة إلى وزارة الداخلية بمثابة إحالة إلى مرجعٍ غير صالحٍ قانوناً لذلك.

 

سادساً: هل يجوز إحالة القضية إلى الإدارة

انتهى مجلس الشورى في هذه القضية إلى إحالة القضية موضوع المراجعة الراهنة على الإدارة المختصة (وزارة الداخلية) لإعادة درس الملفات الإدارية لديها (إي ملفات الأشخاص الذين حصلوا على الجنسية اللبنانية بموجب المرسوم المطعون فيه) وبالتالي إعادة النظر في المرسوم المطعون فيه وذلك في سبيل الرجوع عن القرارات التي منحت لبعض الأشخاص الجنسية اللبنانية من دون وجه حق، أو التي اكتسبها أصحابها عن طريق الغش والتزوير، أو التي تعتبر مخالفة للدستور أو مخالفة بصورة فادحة للقانون.

 

فهل يمكن للمجلس قانوناً إحالة القضية إلى السلطة الإدارية لإعادة درسها مجدداً، في ضوء الحيثيات التي استند إليها؟

 

نجيب على هذا السؤال بالنفي للأسباب التالي:

السبب الأول: الخطأ في تقدير انقضاء المحرَّم المرتبط بمنع الإدارة من توجيه أوامر إلى الإدارة.

 

رأى المجلس أن مراجعة الإبطال لتجاوز حد السلطة، كانت تنتهي عادةً بقبول طلب الإبطال أو رده، بحكم نشأتها في ظل مبدأ الفصل بين الهيئات الإدارية والقضائية، ومنع القاضي الإداري من توجيه الأوامر إلى الإدارة أو الحلول محلها.   وأن المشترع اللبناني لم يصل بعد إلى ما وصل إليه المشترع الفرنسي في قانون 1995 الذي منح القضاء الإداري سلطة توجيه الأوامر إلى الإدارة، مما حوَّل مراجعة الإبطال إلى مراجعة موضوعية تطلق سلطة القاضي الإداري في رقابته على مشروعية الأعمال الإدارية مع تحول مبدأ الفصل الحاد إلى مبدأ التعاون بين القضاء والإدارة على احترام هذه المشروعية، بحيث يتمكن القاضي الإداري من إرشاد الإدارة نحو السبل الواجب سلوكها لتأمين احترام مبدأ المشروعية.

 

يظهر لنا من خلال هذه الحيثية أن المجلس قد أخطأ في تفسير موقف القانون الفرنسي رقم125/95 تاريخ 8 شباط1995، وهو القانون الذي منح القاضي سلطة توجيه الأوامر إلى الإدارة فقط من أجل تنفيذ قراراته القضائية، ولم تعنِ هذه السلطة أبداً أنها إحلال للقاضي محل الإدارة.

Il ne   peut en être usage que pour assurer l’execution de la chose jugée, et non pour adresser des injonctions à titre principale, …, en dehors de l’hypothèse ou les mesures sollicitées constituent des mesures d’exécution d’une decision rendue par lui, il n’appartient pas au juge administratif d’adresser des injonctions à l’administration”.

C.E.28 février 1996, Fauqueux, req. no 145906

Maugué, concl sur: C.E. 26 juillet 1996, Association lyonnaise de protection des locataires- R.F.D.adm1996 p770

Chapus, René- Droit du contentieux administratif, Montchrestien,5eedition1995 p724 no807

 

ولما صدرت مدونة  قانون أصول المحاكمات الإدارية الفرنسي بموجب الأمر التشريعي رقم 387/2000 تاريخ 4/5/2000 أفرد باباً خاصاً منها لتنفيذ الأحكام القضائية وهو الباب التاسع المؤلف من عشر مواد لتدوين الأحكام الخاصة بالغرامة الإكراهية والأوامر التي يفرضها القاضي على الإدارة من أجل تنفيذ الأحكام الصادرة عنه.

  (Voir: Code administratif, Dalloz, 27e édition2003 p445)

 

فتوجيه الأمر للإدارة ممكن، وهو إما أن يكون أمراً باتخاذ تدابير محددة (المادة L 911-1  )، أو إصدار أوامر بإجراء التحقيق اللازم (المادة L 911-2  من الأمر التشريعي رقم387/2000)

Art.L.911-2 : Lorsque sa décision implique nécessairement qu’une personne morale de droit public ou un organisme de droit privé chargé de la gestion d’un service public prenne à nouveau une décision après une nouvelle instruction, la juridiction, saisie de conclusions en ce sens. Prescrit, par la même décision juridictionnelle, que cette nouvelle décision doit intervenir dans un délai déterminé.

 

واستناداً إلى هذه المادة فإن القاضي الإداري يوجه أمراً إلى الإدارة بإجراء تحقيقات جديدة، وذلك من أجل إصدار قرار إداري جديد، حيث يقع على عاتق الإدارة موجب اتخاذ هذا القرار بعد إجراء التحقيق، ولكنها تبقى حرَّة في مضمون قرارها ( C.E. 7 avril 1995, Grekos, A.J.D.A.1996 p155  ) . وتشترط هذه المادة أن يحدد الحكم القضائي المهلة الزمنية التي يجب أن تجري خلالها الإدارة هذا التحقيق. ( راجع: نصرالله عباس، الغرامة الإكراهية والأوامر في التنازع الإداري- منشورات مكتبة الاستقلال الطبعة الأولى2001 ص142).

 

وهكذا نجد أن الأمر الموجه إلى الإدارة لإجراء تحقيق، يجد سنده في فرنسا بالنص القانوني الصادر عن المشترع، أما في قضيتنا، فلم يستطع القاضي تعليل حكمه، سوى بعرض الرأي الفقهي الذي أبداه Chevalier ، وهو عبارة عن رأي لا يرقى لصفة القاعدة، خاصة وأنه ختم مقالته بقوله:

Certes, la transformation seriat d’importance, mais une intervention du législateur ne parait pas indispensable, il suffit au juge administratif, qui a déja mis au point dès le debut du XXe siècle de nombreux succédanés de l’injonction d’orienter désormais les progress de sa jurisprudence non vers le perfectionnement de l’etendue de son controle, mais vers l’amelioration de la portée de celui-ci, en assurant l’assujettissement de l’administration active à la chose jugée.

 (J. Chevallier, L'interdiction pour le juge admisistratif de   faire acte d'administrateur, R.D.P.1972 p89.

 

فطالما أن المشترع اللبناني لم يتدخل من أجل إلغاء المادة 91 من نظام مجلس شورى الدولة اللبناني التي تحظِّر على مجلس شورى الدولة أن يقوم مقام السلطة الإدارية الصالحة ليستنتج من هذه الأوضاع النتائج القانونية التي تترتب عليها ويتخذ ما تقتضيه من مقررات. فإن الموقف الاجتهادي سيبقى على ما استقر عليه القضاء الإداري اللبناني من ردِّ كل طلب يستوحى منه توجيه أمر إلى الإدارة عملاً بقاعدة الفصل بين الوظيفة القضائية والوظيفة الإدارية، راجع على سبيل المثال:

شورى لبنان قرار رقم 94 تاريخ 19/6/1984 – مارون / مجلس تنفيذ المشاريع الإنشائية – مجلة القضاء الإداري 1985 ص72 - شورى لبنان قرار رقم 101 تاريخ 8/6/1987 – حمزة / بلدية بيروت – مجلة القضاء الإداري1989 ص172 - شورى لبنان قرار رقم 152 تاريخ 9/11/1987 – الحايك / بلدية الدكوانة -   مجلة القضاء الإداري 1989 ص254 - شورى لبنان قرار رقم 696 تاريخ 9/5/1995 – فواز / مجلس تنفيذ المشاريع الإنشائية – مجلة القضاء الإداري 1996 ص516.

                                                                                                             

وبغياب النص أو المبدأ القانوني العام الذي يعطي القضاء حق توجيه أمر إلى الإدارة بإجراء تحقيق، يكون القاضي الإداري قد أخطأ في تطبيق القانون، عندما أحال إلى وزارة الداخلية القضية المعروضة أمامه من أجل إجراء تحقيق جديد.

 

السبب الثاني: أن هذه الإحالة هي صورة من صور الاستنكاف عن إحقاق الحق

تذرع مجلس الشورى بأنه يتعذر عليه القيام بدوره في مراقبة العدد الهائل من الملفات الإدارية العائدة للمراجعة الراهنة، في مهلة زمنية معقولة، مع ما يقتضيه ذلك من ضرورة إدخال المستفيدين من أحكام المرسوم المطعون فيه للدفاع عن حقوقهم، بحيث لا تبقى مشروعية هذا المرسوم وحقوق أصحاب العلاقة الناتجة عنه معلقة مدة طويلة من الزمن، الأمر الذي يتنافى بصورة جلية مع مبدأي العدالة واستقرار الأعمال الإدارية.

 

وهذا التعذر عن الحكم بحجة أن الملف كبير لا يمكن قبوله كعذر للإمتناع عن الحكم في هذه القضية، لأن اللجوء إلى القضاء لأجل الفصل في المنازعات هو حق للجميع، ويترتب على المحاكم إزاء هذا الحق واجب الحكم في المنازعات أياً كانت حالة التشريع وصعوبات الدعوى. ( راجع: عيد، الياس-موسوعة أصول المحاكمات – الجزء الثاني – المجلد الأول- الطبعة الثانية1994ص27) وإحالة القضية إلى الإدارة هو امتناع عن الحكم، وصورة من صور الإمتناع عن إحقاق الحق. وسيبقي وضع هؤلاء المجنسين عشر سنوات إضافية في حالة غير مستقرة، خلافاً لكل المبادئ القانونية، وقواعد العدل والإنصاف.

 

كما أن الإحالة إلى وزارة الداخلية (وهي مرجع غير صالح، كما أثبتنا فيما تقدَّم)   لإعادة النظر بمن منحته الجنسية، سيضع الإدارة أمام واحدٍ من الخيارات التالية:

 

إما أن تصدر قراراً جديداً تؤكد فيه ما ورد في المرسوم المطعون فيه، وفي هذه الحالة سنعود إلى نقطة الصفر، ولا يوجد ما يلزمها على تغيير موقفها.

 

وإما أن تعيد النظر فعلياً بالمرسوم وتسحب جنسية بعض الأفراد، وهذا السحب هو قرار إداري نافذ يجب أن يصدر بموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء، وهذا المرسوم هو من القرارات الإدارية التي تقبل الطعن أمام مجلس الشورى كأي قرارٍ إداري، وهذا ما يعيد اشغال مجلس الشورى بالكم الهائل من طلبات الإبطال، وهو ما حاول المجلس في هذا الحكم من دون وجه حق التملص منه.

 

وإما أن تجمع الإدارة الحالات التي تعتبرها حاصلة على الجنسية بصورة غير مشروعة، وتحيلها إلى مجلس الشورى مجدداً، وهنا يتوجب عليه أن يستدعي أصحاب العلاقة ويسمع دفاعهم قبل إصدار حكمه في كل حالة على حدى.

 

والواقع إن هذا الالتباس الذي تركته الفقرة الحكمية، يجعلها غير قابلة للتنفيذ، ومتنافية مع تعريف الحكم القضائي، الذي هو حل النزاع القائم وفقاً للقواعد المقررة في القانون(راجع: الحجار، حلمي، القانون القضائي الخاص- الطبعة الثانية1987- بدون ناشر ص226)، وهذا الحل يندرج في الفقرة الحكمية التي هي أهم أجزاء الحكم، وتتضمن احل الذي أعطاه القضاء لطلبات الخصوم، ومن ثمَّ فإن التنفيذ ينصب على ما قضت به هذه الفقرة وتبعاً لذلك يجب أن تصاغ بشكلٍ واضح لا يترك مجالاً لأي التباس حول ما قضت به المحكمة(راجع: الحجار، حلمي، القانون القضائي الخاص- الطبعة الثانية1987- بدون ناشر ص549).

 

وخلاصة القول أن هذا الحكم يقبل إعادة المحاكمة، خلال مهلة شهرين من صدوره، للأسباب الستة التي عرضناها تفصيلاً، كما يقبل هذا الحكم اعتراض الغير، وهذا الاعتراض يمكن أن يتقدم به كل من حصل على الجنسية بموجب مرسوم1994،   ولحقه ضرر من جراء هذا الحكم، وذلك سنداً للمادة 97 من نظام مجلس شورى الدولة اللبناني التي تنص :" إذا ألحق القرار ضررا بشخص لم يكن داخلا في الدعوى أو ممثلا فيها، حق لهذا الشخص أن يعترض على القرار بطريقة اعتراض الغير. يجب أن تقدم طلبات اعتراض الغير تحت طائلة الرد خلال مهلة شهرين من تاريخ العلم بصدور الحكم على أن لا تتجاوز المهلة في مطلق الأحوال، خمس سنوات من تاريخ صدوره.

                                                           

 

استطلاع حول الأزمة السياسية نشر في جريدة الأخبار في 1 شباط 2008
الحل باستفتاء الشعب
استطلاع للرأي حول تداعيات عملية اغتيال عماد مغنية نشر في جريدة الأخبار عدد 26/2/2008
النسبية تنصف الجميع.. والمسيحيون يأتون بـ36 نائباً وفق الألفين السفير عدد 7 آذار 2008
Abdo Saad, spécialiste en questions électorales La proportionnelle, seule loi juste 14 Mars 2008
مقابلة مع عبدو سعد حول أي قانون إنتخابي نريد؟
استطلاع حول عملية تبادل الاسرى 2008
من يحكم الاستقرار اللبناني اتفاق الطائف أم اتفاق الدوحة؟
رفض توزير الراسبين بلا أساس فقهي
سن القوانين في ظل حكومة تصريف الأعمال
مراســيم عفــو خـاص بالجملــة... وبالسّــر
تأليف الحكومة المسار والاحتمالات
استطلاع للرأي حول موضوع الغاء الطائفية السياسية
الانتخابات النيابية لعام 2009 قراءات ونتائج
استطلاع للرأي حول زيارة الرئيس احمدي نجاد الى لبنان
استطلاع للرأي حول تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة
لبنان بين مأزق النظام البرلماني ومخرج النظام الرئاسوي
بلى، يمكن تطبيق النسبية مع الطائفية
استطلاع للرأي حول مواضيع عدة
النتائج التفصيلية لانتخابات 2009
استطلاع للرأي حول مواقف واراء المسيحيين تجاه الاحداث الاخيرة في القصير
من ترشح لرئاسة الجمهورية؟

 

  

 
  Designed & Developed by: e-gvision.com