:: من نحن  :: إتصل بنا  :: الصفحة الرئيسية   
 
   إستطلاعات
   دراسات
   إنتخابات
   نظم إنتخابية
   مقالات
   مقابلات
   حول إنتخابات دولية
   مؤتمرات
   كتب وإصدارات
   قراءة في المسار السياسي

قراءة في قرار إقفال محطة الـ " M. T. V.  "

 

بتاريخ 4/9/2002 صدر عن محكمة استئناف بيروت الناظرة في قضايا المطبوعات قراراً رجائياً قضى بتعطيل وإقفال محطة تلفزيون الـ "أم تي في" وإذاعة جبل لبنان إقفالاً تاماً.

وقد أثار هذا الحكم في حيثياته العديد من المسائل القانونية التي أسست على ضوئها المحكمة بناءات الفقرة الحكمية وما ترتب عن ذلك من نتائج وآثار، وهذا ما يستدعي التعرض ولو باختصار لهذه النقاط القانونية، وما إذا كانت المحكمة قد أصابت فيما توصلت إليه في الفقرة الحكمية.

 

المسألة الأولى:  معرفة فيما إذا كان بالإمكان صدور هذا الحكم بموجب قرار رجائي

جاء في حيثيات الحكم أنه إذا كان من الواجب التفريق بين القرارات القضائية النزاعية التي ينص القانون على اتخاذها في غرفة المذاكرة   والقرارات الرجائية التي تصدر بدون أية منازعة ووفق أصول خاصة في القضايا التي يوجب القانون إخضاعها لرقابة القضاء بالنظر لطبيعتها أو لصفة المستدعي ،...، وأن طبيعة المخالفة الملحوظة في المادة 68 وطبيعة التدبير المقرر لمعالجتها   والعجلة التي تقضيها اتخاذ التدبير ووقف المخالفة يجعل القرار المتخذ بشأنها من القرارات الرجائية المتخذة في غرفة المذاكرة دون أي خصومة أومنازعة..... على أن يبقى القرار الصادر رجائياً خاضعاً لطرق المراجعة الجائزة بشأن القرارات الرجائية وتلك الملحوظة في المادتين 601 و602 من قانون أصول المحاكمات المدنية المرعي الإجراء لكونه قراراً لا يتمتع بحجية القضية المحكوم بها خلافاً للقرارات القضائية.

 

فهل أصابت المحكمة في إدخال هذا التدبير في مجال القرارات الرجائية؟

نشير بداية إلى أن المادة 68 نصت على إصدار تدبير التعطيل والاقفال التام بقرار يصدر عن محكمة المطبوعات في غرفة المذاكرة، ولم تشر إلى طبيعة هذا القرار.

 

وبالعودة إلى قانون أصول المحاكمات المدنية الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 90 تاريخ 16/9/1983، نجد أنه ميَّز في مادته 552 بين الحكم القضائي والذي يصدر في منازعة قائمة بين خصوم، والقرار الرجائي الذي يصدر بدون أية منازعة قائمة. ثمَّ عادت المادة 594 لتؤكد على أن القرارات الرجائية تصدر بدون خصومة في المسائل التي يوجب القانون إخضاعها لرقابة القضاء بالنظر إلى طبيعتها أو لصفة المستدعي( [1]). كما أن طبيعة المسائل الرجائية تفترض عدم وجود أمر منازع فيه( [2]). بل فقط مجرد طلب يتوجه به صاحب العلاقة إلى القضاء بدون أن يكون هناك خصم معين يطلب الحكم بوجهه بما يطلب( [3])، فيصدر القاضي قراره بموجب السلطة الأمرية التي يتمتع بها( [4]). ومن الأمثلة على القرارات الرجائية نذكر: حكم قاضي الشرع بإعطاء الإذن بعقد زواج ثاني– تعيين وصي – تعيين ممثل لفاقد الأهلية – إثبات الوفاة - حصر الإرث – تعيين أجرة الخبير – استئناف قرار امين السجل العقاري المتعلق بالتسجيل والترقين – تصحيح القيود في مسائل الأحوال الشخصية – قيد المولود بعد انقضاء سنة على ولادته – طلب تحرير التركة – طلب المعونة القضائية – طلب الصلح الواقي – طلب إعلان الغيبة – طلب استبدال الوقف – الإعتراض على نفقات الدعوى.... .

 

وإذا كان القانون لم يحدد المواضيع التي يمكن أن تصدر فيها قرارات رجائية أو بموجب أوامر على العرئض، إلا أن القانون أوجب ألا تصدر هذه القرارات إلا في الحالات التي يمكن فيها إصدار القرار بدون دعوة الخصم وسماعه(المادة 594)، ويستفاد مما تقدم أن القاعدة هي أن تكون القرارات القضائية نزاعية وأن القرارات الرجائية أو الأوامر على العرائض هي الإستثناء( [5])، وارتباط   قواعد الإختصاص بالنظام العام، يجعل من القرارات الرجائية باعتبارها استثناء على الأصل خاضعة للأصول التي ترعى الإستثناءات، أي يجب أن نكون امام النص الصريح عليها، والتفسير الضيق لأحكامها، وعدم جواز القياس عليها.

 

وإذا عدنا لنص المادة 68 من قانون الإنتخاب نجد أنها لم تنص صراحة على أن القرار الصادر في غرفة المذاكرة، قراراً رجائياً، مما يوجب أن يكون هذا القرار قضائياً، وأن يصدر وفقاً لأصول المنازعة القضائية. وما يدلُّ على ذلك أيضاً أن المادتين 601 و602 من قانون أصول المحاكمات التي أحالت إليهما المحكمة من أجل الإعتراض على القرار الرجائي، إنما تتعلق بهما حقوق الغير، وليس الطرف المتضرر مباشرةً من هذا القرار والذي لا يمكن وصفه بأي شكل أنه من الغير. وعليه يكون من الأجدى لوكلاء الـ "أم تي في" أن يتقدموا بطلب إبطال هذا القرار أمام محكمة التمييز وليس الإعتراض عليه أمام المحكمة التي أصدرته.

 

المسألة الثانية: معرفة طبيعة التدبير الذي اتخذته المحكمة

جاء في حيثيات الحكم" حيث أن التدبير في المادة68 يدخل في عداد التدابير الإحترازية العينية ولا يتصف بالعقوبة وهو يتخذ بناءاً على إحالة إدارية ترد إلى محكمة المطبوعات من احدى الجهات المختصة أو بناءاً على استدعاء من احدى الجهات المعنية دونما حاجة إلى ادعاء من النيابة العامة أو تحريك لدعوى عامة... وحيث أن انقضاء فترة الحملة الإنتخابية لانتخابات المتن الفرعية لا يزيل وجوب اتخاذ التدبير الإحترازي المقرر بحق من ارتكبها ذلك ان الغاية القصوى من توقيع التدبير الإحترازي هي التحسب والإحتياط للمستقبل وأن السبب الذي يحمل المشترع عموماً على اعتماد التدابير الإحترازية هو الحؤول دون تمكين المخالف من معاودة ارتكاب مخالفة مماثلة إذا ما وجد لاحقاً في ظروف مماثلة وليس معاقبته على مخالفة ارتكبها   في ظل ظروف انتهت أو منعه فقط من تكرار المخالفة خلال ما تبقى من الفترة التي ارتكب خلالها مخالفته...".

 

وصفت المحكمة تدبير التعطيل والتوقيف التام بأنه من التدابير الإحترازية العينية دون وصفه بالعقوبة، وأضفت على هذا الوصف أحد أوجه طبيعة التدبير الإحترازي كما حدده قانون العقوبات، وهذا ما يستدعي العودة إلى مفهوم التدبير الإحترازي في قانون العقوبات للوقوف على مدى صوابية الحل الذي اعتمدته المحكمة.

 

وقد جاء في المادة الأولى من قانون العقوبات الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 340   تاريخ1/3/1943 على أنه :" لا تفرض عقوبة ولا تدبير احترازي أو إصلاحي من أجل جرم لم يكن القانون قد نص عليه حين اقترافه. ثم جاء في المادة 12منه على أنه "لا يقضى بأي تدبير احترازي أو أي تدبير إصلاحي إلا في الشروط والأحوال التي نص عليها القانون.

 

وخُصِّص الفصل الثاني   من هذا القانون لبحث تدابير الاحتراز، التي قسَّمها إلى: تدابير احترازية مانعة للحرية - وتدابير احترازية مقيدة للحرية - وتدابير احترازية مانعة للحقوق - تدابير احترازية عينية، ويهمنا النظر في هذه الأخيرة لأن المحكمة أدخلت التدبير الذي اتخذته في إطارها. والتدابير الإحترازية العينية هي:   المصادرة العينية- الكفالة الاحتياطية - إقفال المحل- وقف هيئة معنوية عن العمل أو حلها.

 

وقد نصت المادة 108 على أنه "يمكن وقف كل نقابة وكل شركة أو جمعية وكل هيئة معنوية ما خلا الإدارات العامة إذا اقترف مديروها أو أعضاء إدارتها أو ممثلوها أو عمالها باسمها أو بإحدى وسائلها جناية أو جنحة مقصودة يعاقب عليها بسنتي حبس على الأقل". أما المادة 109 فنصت على أنه "يمكن حل الهيئات المذكورة : - إذا لم تتقيد بموجبات التأسيس القانونية، أو إذا كانت   الغاية من تأسيسها مخالفة للشرائع أو كانت تستهدف في الواقع مثل هذه الغاية، أو إذا خالفت الأحكام القانونية المنصوص عليها تحت طائل الحل- إذا   كانت قد أوقفت بموجب قرار مبرم لم تمر عليه خمس سنوات.

 

 

 

ويفرض التدبير الاحترازي على من كان خطراً على السلام العام، وبعد التثبت من حالة الخطر إلا في الحالات التي يفترض القانون وجود الخطر فيها، كما يعد خطراً على المجتمع كل شخص أو هيئة معنوية اقترف جريمة إذا كان يخشى أن يقدم على أفعال أخرى يعاقب عليها القانون. ولا تتعرض الهيئات المعنوية لغير تدابير الاحتراز العينية(المادة 211).

 

واستناداً لهذه المواد فإن التدابير الإحترازية هي مجموعة من الإجراءات منها مانع للحرية ومنها مقيدة لها ومنها مانع للحقوق وقد تنزل عفواً بمن سبق واقترف جريمة إذا كان يخشى أن يقدم على أفعال أخرى يعاقب عليها القانون( [6])، وتعتبر هذه التدابير الصورة الثانية للجزاء الجنائي إلى جانب العقوبة، وهي عبارة عن مجموعة من الإجراءات التي يقررها القانون   ويوقعها القاضي على من تثبت خطورته الإجرامية بقصد مواجهة هذه الخطورة. أما بالنسبة للهيئات المعنوية فإن العقوبة الأساسية التي تفرض عليها هي تدابير الإحتراز العينية، وفقاً لما جاء في المادة211 من قانون العقوبات.

 

وعليه نجد أن التدبير الإحترازي القاضي بالوقف التام لمحطة الـ "أم تي في" له صفة العقوبة الجنائية خلافاً لما توصلت له المحكمة، وأن تغيير المحكمة للوصف القانوني لا يغير من الحقيقة في شيء، ذلك ان المادة 68 نصت على فرض تدابير التعطيل والاقفال التام بقرار يصدر عن محكمة المطبوعات في غرفة المذاكرة، وهي من طبيعة التدابير الإحترازية العينية المنصوص عنها في المواد 95 و108 و211 من قانون العقوبات.

 

واستناداً لمبدأ أساسي في كل التشريعات الجنائية والمكرس في الإتفاقيات الدولية وفي المادة 20 من الدستور اللبناني التي أوجبت تأمين الضمانات الكافية للمتقاضين، والتي تكفَّل قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد الصادر بموجب القانون رقم328/2001 بضمانها، هو أن لكل شخص توجه إليه تهمة معينة، قد تؤدي إلى اتخاذ تدبير زجري بحقه، أن يتذرع بالإفادة من مبدا حق الدفاع عن النفس، واستناداً لهذا المبدأ يتوجب على السلطة القضائية أن تبلغ صاحب العلاقة مسبقاً وقبل اتخاذ التدبير أو ما من شأنه إلحاق الضرر به، التقارير والمعلومات والمستندات التي بحوزتها، كي يتمكن من بيان أقواله ودفاعه، وإلا يكون حكمها مشوباً بالبطلان.

 

وإذ فرضت المحكمة تدبيراً له صفة العقوبة على محطة الـ "أم تي في" دون منحها حق الدفاع عن نفسها، تكون قد خالفت مبدءاً دستورياً وقانونياً يسمو على غيره من المبادئ، خاصةً في مجال القانون الجنائي حيث لا محل لفرض عقوبة بموجب قرار رجائي، وهو ما لم يحصل حتى في العصور الوسطى، وهذا ما يجعل من الحكم مشوباً بعيبٍ جسيم ويجعله قابلاً للنقض .

 

المسألة الثالثة: معرفة ما إذا كان يحق للمحكمة إعطاء النص المدى الذي قررته

جاء في حيثيات الحكم "حيث أن القول بعكس ذلك يؤدي عملياً إلى إبطال فعالية النص وفائدته والغاية المرجوة منه إذ أنه يؤدي إلى إرجاء وتأخير اتخاذ التدبير إلى حين الإنتهاء من الإجراءات التي ستوجبها   المحاكمة العادية أي إلى مدة غير محددة وربما غير قصيرة قد تتعدى مدة الحملة الإنتخابية وإلى افساح المجال بالتالي أمام الوسيلة الإعلامية المخالفة لمتابعة مخالفتها لمدة أطول بتغطية مشروعة، في حين أن قصد المشترع المستنبط من الغاية المرجوة من التدبير لابد أن يكون قد انصرف إلى اتخاذ القرار بوقفها فوراً وفق الأصول التي ترعى القرارات الرجائية.... وحيث أن كون عنصر العجلة قد أضحى منتفياً في القضية الحاضرة المبحوثة لإنقضاء فترة الحملة الإنتخابية لا ينزع عن القرار المتخذ بشأن الوصف الذي أراد المشترع   اعطاءه له والأصول التي أراد اتباعها بشأنه".

 

من خلال هذه الحيثية التي ذكرناها، نتيقن مع المحكمة أن النص مشوباً بشيء من الغموض استوجب تفسيره لكي تتمكن المحكمة من تطبيقه،وقد توصلت المحكمة إلى نتيجة أن تطبيق التدابير المنصوص عنها في المادة 68 تبقى قائمة حتى بعد انتهاء الفترة الإنتخابية، فهل أصابت المحكمة فيما توصلت إليه؟

 

للإجابة على هذا التساؤل ينبغي العودة إلى القواعد التي ترعى تفسير النصوص القانونية بما فيها القوانين ذات الطبيعة الجزائية.

 

القاعدة الأساسية أن القوانين يجب أن تفسر وفقاً لماهيتها ولمضمونها كما تستخلص من إرادة مشترعها ففيها ومنها فقط يجري الإستهداء عن روحية وأسباب ما تتضمنه من بيانات ومن مجموع نصوصها تستخلص القواعد التي تسمح بتطبيقها على الوقائع( [7]). ومن المفترض أن التشريعات تستلهم في وضعها معطيات واحدة لفظاً وروحاً لابد من تفسيرها وتطبيقها بحيث تبقى منسجمة فيما بينها وتبقى متفقة والمعطيات الأساسية التي أوحت بها( [8])، كما يقتضي وفق المبادئ المطبقة لتفسير القوانين، تطبيق النصوص بصورة متوافقة بعضها مع بعض، بدلاً من تعطيل مفعولها بتفسير نص بصورة غير متلائمة ومتجانسة مع النص الآخر وإلا جرِّد هذا النص من مفاعيله. والطريقة العملية لتفسير القوانين توجب توفيق النص المطلوب تفسيره مع سائر النصوص المتعلقة بالموضوع ذاته أو بمواضيع متشابهة( [9]).

 

وبالعودة إلى نص المادة 68 نجد أنها تتحدث عن فرض عقوبة على مؤسسة إعلامية لمخالفتها أحكام قانون الإنتخاب، وإذ كانت عبارات هذا النص مقتضبةً، واستوجب ذلك اللجوء إلى قواعد التفسير من أجل إزالة الغموض عن هذا النص وتفسيره، كان لابد من وضع هذا النص في إطاره الصحيح وعدم فصله عن الكيانات الثلاث التي ينتمي إليها أي قانون العقوبات وقانون الإعلام وقانون الإنتخابات.

 

بالنسبة لقانون الإنتخاب، نجد أن الهدف الذي توخى المشترع تحقيقه هو تأمين المساواة والعدالة بين جميع المرشحين، بعد أن أدرك المشترع التأثير الذي يمكن أن تحدثه هذه الوسيلة الإعلامية في نفوس الناخبين ودفعهم لتأييد مرشح معين، وهذا ما يُخِلُّ بمبدأ المساواة بين المرشحين، فيما إذا استغل أحد المرشحين وسيلة إعلامية يملكها أو وظَّف إمكانياته المالية في الدعاية الإنتخابية.

 

بالنسبة لقانون البث التلفزيوني والإذاعي الصادر بموجب القانون رقم 382 تاريخ 4/11/1994، نصَّ في مادته الثالثة أن الإعلام المرئي والمسموع حر، وتمارس حرية الإعلام في إطار أحكام الدستور والقوانين النافذة. وإضفاء هذا القانون الحرية إلى العمل الإعلامي، دليل على الأهمية الخاصة لهذا المرفق الحيوي في الحياة العامة .

 

أما قانون العقوبات فقد تحدث عن المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنويين، كما أفرد فصلاً خاصاً لجرائم التعدي على الحقوق والواجبات المدنية، ونص في المادة 334 على أنه لا شأن لإبطال الانتخاب في الجرائم التي تقترف في أثنائه أو بسببه. كما نصت المادة 69 من القانون رقم171/2000 أن كل مخالفة لاحكام هذا القانون لا يشملها قانون العقوبات وفي الاخص المواد 329 الى 334 يعاقب مرتكبها بالغرامة من ثلاثة ملايين الى خمسة ملايين ليرة لبنانية.

 

وتحكم قانون العقوبات مجموعة من المبادئ التي ترتبط بمفهوم العدالة ، وتهدف إلى حماية الحقوق والحريات، كمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وما يهمنا منها في هذه القضية هو مبدأ التناسب بين الجريمة والعقاب، الذي يعتبر أحد المبادئ الهامة في علم الجزاء الجنائي، وأحد موجهات السياسة الجنائية الرشيدة، وقد أشار إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 إلى مبدأ التناسب في مادته الثامنة عندما أكد على وجوب ألا تتضمن القاعدة المجرِّمة سوى العقوبات الضرورية، وقد رفع   المجلس الدستوري الفرنسي مبدأ التناسب إلى مصاف المبادئ الدستورية( [10]). ويوضع هذا المبدأ موضع التطبيق عن طريق التفريد التشريعي، وطريق التفريد القضائي.

 

 ويقصد بالتفريد التشريعي للعقوبة أن يراعي المشترع كينونة العقوبة المقررة على قدر جسامة الفعل، وتقدر هذه الجسامة في ضوء أهمية المصلحة القانونية والإجتماعية التي تنتهكها الجريمة. أما التفريد القضائي للعقوبة فمؤداه أن على القاضي اختيار نوع ومقدار العقوبة ضمن العقوبات التي نص عليها المشترع.

 

وهكذا نصل إلى نتيجة مفادها اننا إذا ما وضعنا نص المادة 68 في إطارها الصحيح، فإننا نستطيع تلمس الحل القانوني الذي يتوافق مع المبادئ القانونية وقواعد العدل والإنصاف.

 

أولاً: مراعاة مبادئ حق الدفاع، والحرية الإعلامية

ترعى النصوص الجزائية قواعد خاصة في التفسير حيث أنه يجب أن تفسر تفسيراً ضيقاً حماية للحريات العامة والفردية( [11])، وفي كل مرة تتضمن الأحكام القانونية نصوصاً صريحة، تخالف المبادئ العامة للقانون، يلجأ القاضي في هذه الحال إلى التقليل بقدر الإمكان من أهمية مدى هذه النصوص تأميناً لتفوق المبدأ العام على الأحكام القانونية المذكورة باعتبار أن تلك النصوص تتضمن أحكاماً استثنائية يجب تطبيقها بصورة حصرية وضيقة( [12]).

 

وإذا عدنا إلى المادة 68 من قانون الإنتخاب نجد أنها لم تنص لفظاً على حفظ حق الدفاع، كما أنها تتعارض مع قاعدة حرية الإعلام التي كرستها المادة الثالثة من قانون382/94. وهذا ما يوجب على القاضي عند تفسير هذه المادة وإعطائها مداها القانوني أن يحافظ على هذه المبادئ التي لها قيمة دستورية. ذلك أنه كلما احتملت القاعدة القانونية أكثر من تفسير يجب الأخذ بالتفسير الأكثر حماية لمصلحة الفرد( [13]).

 

ثانياً: مراعاة مبدأ التناسب

أشرنا إلى أن مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة من المبادئ القانونية أو الدستورية، التي يتوجب على السلطات احترامها تحت طائلة بطلان تصرفاتها، وإذا عدنا للمادة 68 من قانون الإنتخاب نجد أنها فرضت التعطيل والإقفال التام على الوسيلة الإعلامية التي ترتكب مخالفة لأحكام الدعاية الإنتخابية.

 

وإذ غفل النص عن تحديد مدة التعطيل والإقفال ووسائله وفترته...، كان على القضاء التصدي لهذا التفسير، وهنا يقع أيضاً على عاتق القاضي موجب إعمال مبدأ التناسب، أي أن يفرض التدبير المتناسب مع المخالفة المرتكبة. وهذا ما يطرح التساؤل حول معرفة ما إذا كان مخالفة الوسيلة الإعلامية لقواعد الإعلان الإنتخابي يوجب إقفال هذه المؤسسة إقفالاً تاماً؟

 

في الفترة الإنتخابية   يكون من المناسب إقفال المؤسسة الإعلامية المخالفة طيلة فترة الإنتخابات وذلك حفاظاً على حقوق المرشحين وإعمال مبدأ المساواة فيما بينهم، ويكون الإختصاص في هذه الحالة لمحكمة المطبوعات بموجب قرار يصدر في غرفة المذاكرة.

 

أما في الفترة اللاحقة على انتهاء الإنتخابات، فالمبرر الذي توخاه المشترع من وضع النص يكون قد زال، ولكن المخالفة المرتكبة تبقى قائمة(سنداً للمادة334 من قانون العقوبات)، وهذه المخالفة تستحق إنزال العقوبة بمرتكبها والتي يجب أن تتناسب مع هذه المخالفة، وبما إن الإقفال التام لم يعد يتناسب مع المخالفة بسبب انتفاء الغاية المرجوة منه، هنا تطبق المادة 69 من قانون الإنتخاب التي تنص على أن كل مخالفة لاحكام هذا القانون لا يشملها قانون العقوبات ... يعاقب مرتكبها بالغرامة من ثلاثة ملايين الى خمسة ملايين ليرة لبنانية.

وهكذا نصل إلى نتيجة أن العقوبة المتناسبة مع المخالفة التي ارتكبتها قناة الـ"أم تي في" في حال ثبوتها، هي الغرامة وليس الإقفال. وتفرض هذه العقوبة بموجب حكم قضائي وليس بموجب قرار يصدر في غرفة المذاكرة. وعليه تكون المحكمة قد أخطأت أيضاً في تفسير نص المادة68 من قانون الإنتخاب.

 

ونخلص في هذا التعليق إلى القول أن الحكم صدر مشوباً بمخالفات ثلاثة هي: صدوره بموجب قرار رجائي – عدم وصف هذا التدبير بأنه عقوبة من أجل تبرير إصداره على هذه الصورة – وأخيراً الخطأ في تفسير القانون وفرض عقوبة غير متناسبة مع المخالفة الحاصلة. كل ذلك يعطينا اليقين بأن محكمة التمييز، وليس محكمة المطبوعات، سوف تنقض هذا القرار، وتأمر بمنح محطة الـ "أم تي في" تعويضاً مقطوعاً قدره عشرة ملايين ليرة لبنانية عن كل يوم توقيف، وذلك سنداً للمادة 35 من القانون رقم 382/94.

                                                                            

 

 



[1]  استئناف مدني – تاريخ 9/3/1993 – العدل1993 ص179

[2]  نيابة عامة تميزية تاريخ3/3/1995 – النشرة القضائية 1995 ص95

[3]  الحجار، حلمي – القانون القضائي الخاص – الطبعة الأولى 1988 ص597

[4] عيد، الياس – موسوعة اصول المحاكمات المدنية – الجزء الرابع ص212

[5] تمييز مدنية تاريخ 18/4/1995 – كساندر 1995 ج:4 ص73

[6]  منفرد جزائي تاريخ 5/6/1986 – العدل 1986 ص520

[7]  استئناف مدني تاريخ 9/9/1986 – العدل1988 ص40

[8]  استئناف مدني تاريخ 9/1/1984 – العدل1985 ص358

[9] شورى لبنان- تاريخ 16/3/1992 – العدل1992 ص1

[10]    C.C. 18 janvier 1981 – J.C.P.1981,II,19701

[11]  استئناف مدنية – 11/2/1973 – العدل1973 ص376

[12]  شورى لبنان – تاريخ 10/2/1992 العدل 1993 ص1

[13] بداية تاريخ 6/12/1972 – العدل1974 ص110

استطلاع حول الأزمة السياسية نشر في جريدة الأخبار في 1 شباط 2008
الحل باستفتاء الشعب
استطلاع للرأي حول تداعيات عملية اغتيال عماد مغنية نشر في جريدة الأخبار عدد 26/2/2008
النسبية تنصف الجميع.. والمسيحيون يأتون بـ36 نائباً وفق الألفين السفير عدد 7 آذار 2008
Abdo Saad, spécialiste en questions électorales La proportionnelle, seule loi juste 14 Mars 2008
مقابلة مع عبدو سعد حول أي قانون إنتخابي نريد؟
استطلاع حول عملية تبادل الاسرى 2008
من يحكم الاستقرار اللبناني اتفاق الطائف أم اتفاق الدوحة؟
رفض توزير الراسبين بلا أساس فقهي
سن القوانين في ظل حكومة تصريف الأعمال
مراســيم عفــو خـاص بالجملــة... وبالسّــر
تأليف الحكومة المسار والاحتمالات
استطلاع للرأي حول موضوع الغاء الطائفية السياسية
الانتخابات النيابية لعام 2009 قراءات ونتائج
استطلاع للرأي حول زيارة الرئيس احمدي نجاد الى لبنان
استطلاع للرأي حول تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة
لبنان بين مأزق النظام البرلماني ومخرج النظام الرئاسوي
بلى، يمكن تطبيق النسبية مع الطائفية
استطلاع للرأي حول مواضيع عدة
النتائج التفصيلية لانتخابات 2009
استطلاع للرأي حول مواقف واراء المسيحيين تجاه الاحداث الاخيرة في القصير
من ترشح لرئاسة الجمهورية؟

 

  

 
  Designed & Developed by: e-gvision.com